
عندما عاقب الاله زيوس الملك سيزيف على مكره وكذبه بان يحمل صخرة الى قمة الجبل وان لا تستقر على القمة بل تنزلق الى السفح ويقوم سيزيف بحملها مرة أخرى والى ما لانهاية، كان الغرض منه العذاب بعمل متكرر لا يحقق شيئا على الاطلاق.
هذه الأسطورة الاغريقية على الرغم من انها خيالية الا اننا نفعل الشيء نفسه ليس كل يوم بل كل دقيقة، فنحن ملتصقين بالهواتف الذكية وبكل ما يوجد داخلها من منشورات واخبار ومعلومات وشائعات وادعاءات وغيرها من المواد الجذابة والبراقة التي تخطف الأنظار والالباب والعقول والانتباه ولا يقتصر الامر على مجرد المتابعة والمشاهدة بل يتخطاه الى إمكانية المشاركة أيضا وهو ما يجعلها أكثر اداه للتفاعل بين كافة الأطراف تقريبا بلا ضوابط متفق عليها او مناسبة لجميع الفئات والمجتمعات.
الإشكالية ازدادت خطورة بعد دخول الذكاء الاصطناعي على الخط، فهي تقنية قادرة على الغاء العقل وتعطيله وقادرة أيضا على تزييف الحقائق تزييفا عميقا حتى ان هذا الأسلوب يطلق عليه مصطلح Deep Fake وهو مصطلح اراه معبرا تماما.
التزييف يشمل اختلاق أكاذيب ومحاولة الباسها رداء الحقيقة ويشمل أيضا تغيير الحقائق لتحقيق أغراض ما، فكل لحظة نقرا خبرا او نرى مقطعا مصورا متحركا او حتى صورة مع تعليق بسيط ونرى تفاعلا مهولا معها من قبل جمهور المستخدمين والمشاهدين.
وبغض النظر عن حملات التوعية والقوانين التي تم او سيتم إقرارها لمكافحة هذا التزييف الا ان الامر خطير، فليس كل ما يتم تزييفه يمكن ان يقع تحت طائلة القانون نظرا لصعوبة اثبات الفعل او الضرر، هذا بالإضافة الى ان الكثيرون يدعون ان ما يفعلون لا يجب ان يصنف كذبا او تزييفا وانما هو من قبيل ” التعبير” بطرق حديثة.
وبعيدا عن هذا الجدل فانه يجب ان تسمى الأشياء بمسمياتها، أي تعديل في أي صورة حتى وان كان تعديلا بسيطا او مجرد تحسين لها من خلال filter او ما شابه يجب ان يعلن عنه، ناهيك عن اختلاق صورة او فيديو بالكامل.
مؤخرا شاهدت عشرات المقاطع المتحركة والصور الثابتة التي تقع ضمن هذه الفئة، زرافة تتحرك في مجرى النيل، فنانة في غرفة العناية المركزة، لاعب كرة يتفوه بألفاظ لا تليق…الخ، وكلها غير حقيقية وان كانت متقنة اتقانا شديدا الا ان تأثيراتها السلبية ما تزال موجودة بين التشتيت وتغييب الحقائق او خلطها بهذا الزيف او التصديق التام من البعض ممن لا يملكون الخبرة او الحكمة او المعرفة او الحد الأدنى من التفكير المنطقي او النقدي.
اخشى في المستقبل القريب ان نصل الى مرحلة عدم التصديق لأى شيء وان يضل الزيف الى مستويات فائقة يطمس معها الحقائق والتاريخ، صورة لمخطوطة قديمة قد تكون سليمة وصحيحة وقد تكون مفبركة، صورة فوتوغرافية منذ نصف قرن او اكثر قد تكون كذلك، مقطع صوتي مسرب او خبر في عدد قديم من جريدة توقف إصدارها، او أي امر اخر فالقائمة طويلة ولذلك لابد من وضع قواعد لحفظ المحتوى السليم والموثق، قد تحتاج كل مؤسسة الى فعل ذلك و نترك الذكاء الاصطناعي يعبث بعيدا حتى اذا ما احتاج أولى العقول الى التحقق ان يجدوا ملاذا أمنا ولا يتم السيطرة عليهم بواسطة سي زيف.









