أخبار ومتابعات

د إسماعيل أبو النيل يكتب: الذكاء الانفعالي

مقالات للرأي

تتسارع الضغوط النفسية اليوم بوتيرة تجعل الكثيرين يعيشون تحت عبء مستمر، ومع مرور الوقت يبدأ بعض الأفراد في فقدان حساسيتهم العاطفية تدريجيًا، وكأن نظامهم الانفعالي يدخل في حالة «توفير طاقة». هذه الظاهرة يُطلق عليها «البلادة الانفعالية»، وهي نفسها ما يعرف في الأدبيات العلمية باسم الإليكسيثيميا؛ أي صعوبة التعرف على المشاعر الداخلية، وصعوبة فهمها أو التعبير عنها لفظيًا. وتُعد البلادة الانفعالية آلية دفاعية غير واعية تحاول النفس من خلالها تجنّب مواجهة الألم العاطفي المتراكم.
ويلعب الذكاء الانفعالي دورًا مضادًا لهذه العملية. ويُقصد به قدرة الفرد على إدراك حالته الشعورية بدقة وفهم انفعالاته وتنظيمها والتعامل معها بمرونة، إضافة إلى فهم مشاعر الآخرين والتفاعل معهم بكفاءة. إنه باختصار المهارة التي تجعلنا نعرف ما نشعر به، ونعرف كيف نتعامل معه ، وقد أسفرت نتائج الدراسات الحديثة في علم النفس التربوي والإرشادي أن الأشخاص الذين يمتلكون ذكاءً انفعاليًا مرتفعًا يتمتعون بدرجة أعلى من الصمود النفسي، وبقدرة أكبر على مواجهة الضغوط دون الانزلاق إلى حالة البلادة الانفعالية. بل إن بعض النماذج التجريبية القائمة على تحليل المسار ونمذجة المعادلة البنائية أثبتت أن الذكاء الانفعالي لا يقلل فقط من مستوى البلادة الانفعالية بشكل مباشر، بل يعمل أيضًا كـ متغير معدِّل، يغيّر قوة العلاقة بين الضغوط النفسية والبلادة الانفعالية. وفي بعض الدراسات التي تناولت طلاب الجامعة، تبين أن الضغوط النفسية كانت مرتبطة بارتفاع واضح في البلادة الانفعالية لدى الطلاب ذوي الذكاء الانفعالي المنخفض، بينما كان هذا الارتباط ضعيفًا أو شبه منعدم لدى الطلاب ذوي الذكاء الانفعالي المرتفع. أي أن الذكاء الانفعالي يعمل كحاجز واقٍ يمنع انتقال أثر الضغوط إلى الحالة الشعورية للفرد. وفي بحوث أخرى تناولت تفسير الاستجابات العاطفية تحت الضغوط، ظهر أن الأفراد الأكثر قدرة على إدراك مشاعرهم وتنظيمها كانوا أقل ميلاً إلى التجنب الانفعالي أو الانطفاء العاطفي حتى في الأزمات الطويلة.
ومن زاوية تحليل المتغيرات الكامنة، تُظهر النماذج أن وجود الذكاء الانفعالي كمتغير معدل يغير «ميل» العلاقة بين الضغوط والبلادة الانفعالية: فكلما ارتفع الذكاء الانفعالي، انخفض أثر الضغوط، بينما يزداد أثر الضغوط مع انخفاض هذا النوع من الذكاء. وهذا التفاعل هو ما يفسر الفروق الفردية بين الأشخاص الذين ينهارون انفعاليًا تحت تأثير الضغوط وأولئك الذين يحتفظون بقدرتهم على الشعور الطبيعي والتفاعل الصحي مهما اشتدت الظروف.
والذكاء الانفعالي ليس مجرد مهارة اجتماعية، بل هو بنية نفسية دفاعية ذات قيمة استراتيجية في حياة الفرد، تمنع انطفاء المشاعر وتحميه من الدخول في حلقة البلادة الانفعالية التي يصعب الخروج منها لاحقًا. إنه أشبه بمنظومة «تدفئة داخلية» تمنع تجمّد المشاعر، مهما كان الشتاء النفسي قاسيًا.وعليه فإن الخلاصة العملية التي يمكن استخلاصها هي أن البلادة الانفعالية ليست قدرًا محتومًا، وأن الضغوط — رغم شدتها — لا تؤدي بالضرورة إلى خمود المشاعر ما دام الفرد يمتلك القدرة على الوعي العاطفي وتنظيم الذات. كما إن الاستثمار في تنمية الذكاء الانفعالي عبر التدريب والتأمل الذاتي والتعلم الانفعالي يمكن أن يحوّل مسار الشخص من الانطفاء إلى الصمود، ومن الاستسلام للضغوط إلى القدرة على إدارته بوعي واتزان.
وهكذا يصبح الذكاء الانفعالي ليس مجرد سمة، بل «شبكة أمان» تحافظ على إنسانية المشاعر في عالم يضغط باستمرار على القدرات البشرية.الذكاء الانفعالي ، ويُعدّ الذكاء الانفعالي واحدًا من أكثر المتغيرات التي أحدثت نقلة مفاهيمية في نمذجة المعادلة البنائية داخل علم النفس التربوي، ليس فقط لدوره في الفهم العميق للظواهر النفسية، بل لأنه يكشف عن آليات خفية تحكم علاقة الفرد ببيئته التعليمية. حين ننظر إلى العلاقات بين المتغيرات النفسية والسلوكية، فإننا نُدرك سريعًا أن التأثيرات ليست ثابتة ولا تعمل بالطريقة نفسها لدى الجميع؛ فالمتعلم الذي يمتلك قدرة عالية على إدارة انفعالاته، وتنظيم استجاباته، واحتواء ضغوطه، لا يتفاعل مع الظروف التعليمية بالطريقة ذاتها التي يتفاعل بها متعلم منخفض الذكاء الانفعالي. ومن هنا يتجلى الدور التنظيمي، حيث يتدخل الذكاء الانفعالي ليعدّل قوة واتجاه العلاقة بين متغيرين آخرين، فيصبح بمثابة “مفتاح تحكّم” يرفع أو يخفض من تأثير المؤثرات النفسية والتربوية ، ويستند مفهوم «الدور التنظيمي» إلى فكرة بسيطة وعميقة في الوقت ذاته، وهي أنّ العلاقة بين المتغير المستقل والمتغير التابع لا تظل ثابتة عبر الأفراد، بل تتغير تبعًا لمستوى متغير ثالث، يُسمّى المنظّم. فعندما يكون الذكاء الانفعالي هو المنظم، فإنه يحدد لمن تعمل العلاقة بقوة، ولمن تضعف، ولمن ربما تختفي. وهنا تصبح دلالته الإحصائية جوهرية، لأنها تكشف أن التأثيرات النفسية ليست مطلقة، بل مشروطة بقدرة الفرد على التعامل مع انفعالاته. وكلما ارتفع هذا الذكاء ارتفع معه احتمال أن يتعامل المتعلم مع صعوباته بطريقة أكثر اتزانًا، مما يجعل تأثير الضغوط مثل القلق أو عبء الواجبات الأكاديمية أقل ضررًا، والعكس صحيح حين يكون الذكاء الانفعالي منخفضًا إذ يصبح المتعلم أكثر عرضة لانحدار التحصيل واضطراب السلوك، حتى وإن تساوت الظروف مع غيره.

وإذا كان الذكاء المعرفي يقود التفكير، فإن الذكاء الانفعالي يُنظّم هذا التفكير ويحميه ويُشذّبه، ويحوّل الضغط إلى فرصة، ويمنح صاحبه قدرة أكبر على اتخاذ قرارات متزنة. وهكذا يصبح الذكاء الانفعالي حجر زاوية في فهم الفروق الفردية، ومحورًا تنظيريًا في نماذج المعادلة البنائية، ومؤشرًا على أن جودة التفاعل الانفعالي ليست أمرًا ثانويًا، بل عاملًا حاسمًا يعيد تشكيل العلاقات النفسية، ويغيّر من نتائجها، ويجعل النموذج أكثر واقعية وعمقًا.

زر الذهاب إلى الأعلى