مقالات الرأى

الإعلامي إبراهيم الصياد يكتب: “النيابة عن الشعب ” مسؤولية وطنية أم وجاهة منصب ؟

مقالات للرأي

انتهت أطول إنتخابات في تاريخ الحياة البرلمانية المصرية وهذا المقال هو في الحقيقة جملة “نصائح ذهبية” للنواب الجدد وبعد
تهنئتهم وقبل أن يجلسوا تحت قبة البرلمان نهمس في أذنهم
…..
في النظم الديمقراطية الحديثة، لا يُنظر إلى النيابة البرلمانية بوصفها امتيازًا اجتماعيًا أو وجاهة سياسية، بل باعتبارها تكليفًا وطنيًا ومسؤولية عامة من أعلى درجات المسؤولية.
لا يستمد النائب شرعيته من لقبه، ولا من مكانته الاجتماعية، بل من ثقة المواطنين الذين منحوه أصواتهم ليكون لسانهم داخل المؤسسة المعنية بالسلطة التشريعية، ومدافعًا عن مصالحهم، ورقيبًا على أداء السلطة التنفيذية باسمهم.
ومن هنا تنشأ الإشكالية الدائمة بين فهم المنصب باعتباره تكليفًا في جوهره، أو اختزاله في كونه تشريفًا ومكانة شكلية!

نقول التكليف النيابي هو الأساس الذي يقوم عليه النظام البرلماني كله. فالنائب يحمل أمانة ثقيلة، لا تقتصر على الحضور تحت قبة البرلمان، بل تمتد إلى المشاركة الفاعلة في صناعة القوانين، ومراقبة أداء الحكومة، وتمثيل الإرادة الشعبية تمثيلًا أمينًا. هذا التكليف مصدره الوحيد هو الشعب، لا السلطة ولا الحزب ولا النفوذ المالي أو العائلي.
ويترجم هذا التكليف عمليًا في ثلاثة أدوار محورية:
1. الدور التشريعي
حيث يشارك النائب في مناقشة مشروعات القوانين، وتعديلها، وإقرارها بما يحقق الصالح العام، ويحفظ الحقوق والحريات، ويواكب تطورات المجتمع. فالقانون ليس نصًا جامدًا، بل تعبير عن توازنات اجتماعية واقتصادية وثقافية، والنائب شريك أساسي في صياغة هذا التوازن.
2. الدور الرقابي
وهو أحد أخطر وأهم أدوار النائب، لأنه يمارس من خلاله رقابة حقيقية على الحكومة وأجهزتها، باستخدام أدوات دستورية مثل الأسئلة البرلمانية، وطلبات الإحاطة، والاستجوابات، ولجان تقصي الحقائق، وصولًا – عند الضرورة – إلى سحب الثقة ونرى أن الرقابة ليست خصومة، بل ضمانة لحسن الأداء ومنع الفساد وإهدار المال العام.
3.إن النائب ليس نائبًا عن نفسه ولا عن فئة بعينها، بل عن مجموع أبناء دائرته، بمختلف انتماءاتهم. وتمثيل الدائرة لا يعني اختزال الدور في الخدمات الفردية أو الوساطات، بل يتطلب العمل على القضايا الهيكلية: البطالة، والتعليم، والصحة، والإسكان، والبنية التحتية، والبيئة من خلال التشريع والضغط الرقابي والتنسيق المؤسسي.
على الجانب الآخر، يأتي مفهوم التشريف بوصفه أثرًا جانبيًا طبيعيًا للقيام بالواجب، لا هدفًا قائمًا بذاته. إن المكانة الاجتماعية والاعتبار العام اللذين يحظى بهما النائب هما نتاج ثقة الناس واحترامهم لأدائه، وليس مجرد لقب يُحمل أو صفة تُستعرض.
المشكلة تبدأ حين ينقلب الميزان، عندما يتحول التشريف إلى هدف، ويصبح المنصب وسيلة للوجاهة أو النفوذ أو المصالح الخاصة.
وبصراحه عندها ينحرف الدور النيابي عن مساره، ويتحول النائب من ممثل للشعب إلى ممثل على الشعب، ومن رقيب إلى متواطئ، ومن مشرّع إلى شاهد صامت.
من أبرز تجليات فهم النيابة باعتبارها تكليفًا، مسألة التفرغ الكامل للعمل النيابي على أساس أن النائب المثقل بوظائف أخرى، أو مصالح متشابكة، يفقد جزءًا كبيرًا من استقلاليته وقدرته على الرقابة والحياد.
ولهذا تشترط كثير من النظم الديمقراطية تخلي النائب عن أي منصب تنفيذي أو وظيفة حكومية قد تخلق تضاربًا في المصالح.
التفرغ لا يعني الانفصال عن المجتمع، بل العكس؛ يعني التفرغ لخدمة المجتمع من موقع تشريعي ورقابي، يستند إلى المعرفة، والدراسة، والمتابعة الدقيقة للملفات.
إذن إدراك المعنى الحقيقي للنيابة لا يبقى في دائرة الشعارات، بل ينعكس في سلوكيات عملية واضحة، من أبرزها:
🔸التركيز على القضايا الكبرى
أي الانشغال بالتشريعات والسياسات العامة التي تمس حياة المواطنين، بدل الغرق في التفاصيل الهامشية أو الخدمات المحدودة التي يمكن للمؤسسات المحلية معالجتها.
🔸العمل الجماعي والتخطيط المؤسسي هو صميم عمل البرلمان أنه ليس ساحة فردية والنائب الفاعل هو من يعمل ضمن كتل نيابية، ويبني تحالفات موضوعية، ويستعين بالخبراء والمتخصصين لصياغة مواقف مدروسة وأسئلة رقابية قوية.
🔸الشفافية والانفتاح على الجمهور
من خلال التواصل المنتظم مع أبناء الدائرة، وإطلاعهم على ما أنجزه وما لم ينجزه، وأسباب ذلك.
🔸النزاهة وتجنب تضارب المصالح
إذ لا قيمة لأي خطاب إصلاحي إذا كان النائب أسيرًا لمصالحه الخاصة، أو خاضعًا لضغوط المال أو النفوذ.

🔸التصويت يجب أن يكون وفق القناعة والمصلحة العامة، لا وفق الحسابات الضيقة.
واختتم المقال الناصح بعلاقة النائب بالاعلام عليه أن يعلم أنها ليست علاقة من أجل ( التنجيم ) لينضم النائب إلى حلبة منافسة النجوم إنما هي قناة اتصال مع من كلفوه بالمسئولية وعليه أن يتعلم أن يكون واعيا لكل كلمة يقولها أمام الكاميرا أو الميكروفون وفي اعتقادي أن مطلب وجود نافذه إعلامية مباشرة بين البرلمان والشعب ضرورة لتكريس الممارسة الديمقراطية ولنا في قناة صوت الشعب تجربة أظن أنها بقدر ماكانت كاشفة كانت ناجحة أيضا
في المحصلة، لا يوجد تعارض حقيقي بين التكليف والتشريف، ما دام الأول هو الأصل والثاني هو النتيجة. فشرف المنصب لا يُمنح، بل يُكتسب. والنجاح الحقيقي للنائب لا يُقاس بعدد اللقطات والصور أو الألقاب، بل بمدى إخلاصه للأمانة التي حمّله إياها الشعب، وبتفانيه في أداء واجباته التشريعية والرقابية، وبقدرته على أن يكون صوتًا صادقًا لمواطنيه داخل قاعة البرلمان.
عندها فقط، يصبح التشريف مستحقًا، لا زائفًا، وتتحول النيابة من مجرد منصب إلى رسالة وطنية حقيقية.

زر الذهاب إلى الأعلى