أخبار ومتابعات

أمين عام المجلس العربي للطفولة والتنمية تؤكد أن المنطقة العربية تواجه تحديات متصاعدة في حماية الأطفال والاستثمار في مستقبلهم

كتبت: هناء السيد

أكدت الدكتورة هدى البكر، الأمين العام للمجلس العربي للطفولة والتنمية، أن الاستثمار في الطفولة يجب أن يتحول من خيار تنموي إلى التزام عام قابل للقياس والمساءلة، مشددة على ضرورة إدماج حقوق الأطفال واحتياجاتهم في جميع السياسات والموازنات العامة، وضمان توزيع الموارد بصورة عادلة تصل إلى الفئات الأكثر احتياجًا، بما يدعم بناء أجندة عربية للاستثمار في الطفولة لعام 2030 وما بعدها.
وقالت البكر، خلال كلمتها في الورشة الإقليمية حول «الطفولة العربية 2030 وما بعدها.. استثمار المستقبل المستدام»، التي تعقدها الأمانة العامة لجامعة الدول العربية يومي 26 و27 أكتوبر الجاري، إن المنطقة العربية تواجه تحديات متزايدة تتعلق بتراجع المساعدات الإنمائية، واتساع الاحتياجات الإنسانية، وتزايد مخاطر التغير المناخي، إلى جانب التأثيرات المتسارعة للذكاء الاصطناعي في حياة الأطفال، في وقت لا تزال فيه السياسات والاستثمارات الموجهة إليهم بحاجة إلى تطوير لمواكبة هذه التحولات.
وأوضحت أن تقديرات عام 2025 تشير إلى أن المساعدات الإنمائية الرسمية عالميًا تراجعت بنحو الربع، في أكبر انخفاض تسجله منظمة التعاون الاقتصادي منذ بدء القياس، فيما يُوجَّه أكثر من 40% مما يصل إلى المنطقة العربية من هذه المساعدات إلى الاستجابة للطوارئ بدلًا من الاستثمار طويل الأجل.
وأضافت أن تقديرات منظمة الأمم المتحدة للطفولة «اليونيسف» تشير إلى احتياج نحو 45 مليون طفل في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا إلى مساعدة إنسانية عاجلة، فضلًا عن وجود 30 مليون طفل خارج المدرسة في 12 دولة بالمنطقة، بينما يواجه 86 مليون طفل عربي مخاطر مناخية مرتفعة أو شديدة الارتفاع، بالتزامن مع دخول الذكاء الاصطناعي إلى حياة الأطفال دون توافر بيانات عربية منظمة ترصد تأثيراته عليهم.
وشددت البكر على أن هذه المؤشرات تفرض إعادة النظر في مفهوم الاستثمار في الطفولة، بحيث لا يقتصر على حجم الإنفاق على البرامج المخصصة للأطفال، وإنما يمتد إلى تقييم تأثير القرارات الاقتصادية والاجتماعية والبيئية والتكنولوجية في حياتهم، بما يشمل سياسات الدعم، وخطط التكيف مع التغير المناخي، واستراتيجيات الذكاء الاصطناعي، والتخطيط العمراني.
وأشارت إلى أن الاستثمار في الطفولة المبكرة يُعد من أعلى الاستثمارات عائدًا في مجال التنمية، مستشهدة بتقديرات الاقتصادي الحائز جائزة نوبل جيمس هيكمان، التي تقدر العائد السنوي لبرامج الطفولة المبكرة عالية الجودة بنحو 14%، إلى جانب تقديرات تشير إلى أن كل دولار يُستثمر في المساعدات الموجهة للأطفال يحقق عائدًا يصل إلى عشرة دولارات.
ولفتت إلى أن التكلفة الاقتصادية لزواج الأطفال تمثل تحديًا إضافيًا أمام التنمية العربية، إذ تقدر لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا «الإسكوا» أن هذه الظاهرة تكلف 13 دولة عربية نحو 3% من ناتجها المحلي الإجمالي سنويًا، فيما تقترب الخسائر التراكمية المتوقعة حتى عام 2050 من ثلاثة تريليونات دولار.
وفي المقابل، أوضحت البكر أن إنفاق الدول العربية على إعانات الأطفال والأسر لا يتجاوز نصفًا في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، وهو ما يقل عن المتوسط العالمي، كما لا تتجاوز حصة الأطفال المباشرة من المساعدات الإنمائية العالمية 5%، مؤكدة أن المنطقة العربية لا تمتلك حتى الآن رقمًا موثوقًا وشاملًا لحجم استثماراتها في الطفولة، أو دراسة عربية تقيس العائد على هذه الاستثمارات وفق منهجية مقارنة.
وأكدت أن الاعتماد على حسابات العائد الاقتصادي وحدها لا يكفي لتحديد أولويات الاستثمار، لأن هذا النهج قد يوجه الموارد إلى الفئات الأسهل وصولًا والأسرع تحقيقًا للعائد، على حساب الأطفال ذوي الإعاقة وأطفال النزوح والمخيمات والأحياء غير المخططة، رغم أنهم الأكثر احتياجًا إلى الدعم.
وأوضحت أن المنظور الحقوقي يمثل الضمانة الأساسية لتحقيق العدالة في توزيع الموارد، مشيرة إلى أن المادة الرابعة من اتفاقية حقوق الطفل تلزم الدول بإعمال حقوق الأطفال إلى أقصى حدود مواردها المتاحة، فيما يؤكد مبدأ عدم التمييز أن حقوق الطفل لا ترتبط بالعائد الاقتصادي المتوقع من الاستثمار فيه.
وأضافت أن التعليق العام رقم 19 بشأن الإنفاق العام من أجل إعمال حقوق الطفل يجعل الموازنة العامة أداة أساسية لحماية هذه الحقوق، ويؤكد ضرورة عدم خفض الإنفاق الموجه للأطفال خلال الأزمات إلا في ظروف استثنائية ومؤقتة وبعد استنفاد البدائل.
ودعت الأمين العام للمجلس العربي للطفولة والتنمية إلى تبني نهج يضع الأطفال في صميم جميع الخطط والسياسات، من خلال تقييم أثر كل سياسة وموازنة قبل إقرارها، والإجابة عن سؤالين أساسيين: ما تأثير القرار في الطفل؟ وأي الأطفال يتحملون كلفته أولًا؟
وحددت ثلاثة مسارات رئيسية ترى ضرورة أن تتصدر أجندة الطفولة العربية لما بعد عام 2030، تشمل بناء قاعدة بيانات عربية موثوقة عن حجم الاستثمار في الطفولة وعائده، وتطوير أداة عربية لتقييم أثر السياسات والموازنات في الأطفال، إلى جانب إنشاء مساحة دائمة تتيح لهم المشاركة الفعلية في صنع القرارات التي تمس حياتهم.
وأكدت أهمية دور جامعة الدول العربية في دفع هذا المسار، باعتبارها إطارًا عربيًا جامعًا أسهم في تطوير المرجعيات المشتركة لحقوق الطفل، بدءًا من ميثاق حقوق الطفل العربي عام 1983، وصولًا إلى الإطار العربي لحقوق الطفل عام 2001.
وأشارت إلى أن أعمال الورشة تستهدف الانتقال من تشخيص واقع الاستثمار في الطفولة إلى تحديد الأولويات المستقبلية، من خلال ست مجموعات عمل تسعى إلى بلورة أولويات محددة لأجندة عربية للاستثمار في الطفولة، والاتفاق على مؤشرات مشتركة لقياس التقدم، وتحديد الجهات المسؤولة عن تنفيذ كل أولوية.
وشددت البكر على أهمية الحوار مع أعضاء البرلمان العربي للطفل، باعتباره جزءًا أساسيًا من أعمال الورشة، مؤكدة أن مشاركة الأطفال يجب ألا تكون شكلية، بل ينبغي أن تتيح لهم التعبير عن آرائهم بشأن الأولويات والموارد المخصصة لهم، مع الالتزام بإطلاعهم على ما يترتب على مشاركتهم من نتائج وقرارات.
واختتمت بالتأكيد أن المجلس العربي للطفولة والتنمية، الذي تأسس قبل أربعة عقود بمبادرة من الأمير طلال بن عبد العزيز، رحمه الله، انطلاقًا من اعتبار الطفولة قضية تنمية، يواصل العمل على ترسيخ مبدأ أن الطفل صاحب حق وشريك في القرارات التنموية، وأن الاستثمار في الطفولة يمثل غاية تنموية، فيما تشكل حقوق الطفل الضمانة لوصول هذا الاستثمار إلى مستحقيه بصورة كافية وعادلة ومستدامة.

زر الذهاب إلى الأعلى