مقالات الرأى

لواء د. أحمد زغلول مهران يكتب: بين حرية التعبير ومسؤولية الكلمة •• من يحمي وعي المجتمع المصري وقيمه؟

مقالات للرأي

حين يتحول الاختلاف إلى اتهام للمجتمع

ليس من حق أحد أن يختزل مجتمعاً بأكمله في وصف واحد أو أن يحكم على شعب له تاريخه وحضارته وتنوعه الفكري والديني والاجتماعي بكلمة تُلقى في مناسبة فنية ثم تتحول إلى قضية رأي عام .

فحين يصف الكاتب والسيناريست مدحت العدل المجتمع المصري بأنه (سلفي) ومعادٍ للمرأة والسينما والفن فإننا أمام تعميم يستحق المناقشة لأن المجتمع المصري أكبر من أن يُختزل في موقف واحد ولأن اختلاف الناس حول قضية اجتماعية أو عمل فني لا يعني بالضرورة رفضهم للمرأة أو عداءهم للإبداع .

ومن حق أي مثقف أن ينتقد ظاهرة يراها سلبية وأن يدافع عن حقوق المرأة لكن من واجبه أيضاً أن يحدد موضع النقد بدقة وأن يفرق بين سلوك فردي مرفوض وبين مجتمع كامل وبين المحافظة على القيم والتقاليد وبين التعصب أو التمييز .

فهل أصبح الاختلاف مع بعض الأعمال الفنية دليلاً على التخلف؟ وهل الدفاع عن القيم الأخلاقية يعني بالضرورة الوقوف ضد المرأة والفن؟

إن مثل هذه الأسئلة تستحق نقاشاً هادئاً وجاداً لا تبادلاً للاتهامات ولا تقسيماً للمجتمع إلى معسكرات متعارضة .

السلف الصالح ليسوا تهمة

من الضروري هنا التمييز بين مفهوم السلف الصالح في التراث الإسلامي الذي يرتبط بالأجيال الأولى من المسلمين، وبين السلفية بوصفها مصطلحاً يُستخدم في العصر الحديث لوصف اتجاهات وتيارات متنوعة تختلف في رؤاها ومواقفها دون تشددوا تكفير لأنه يوجد فرق كبير بين السلفى والتكفيرى .

ولا يصح استخدام أي من المصطلحين باعتباره تهمة جاهزة كما لا يصح أن يتحول التدين أو التمسك بالقيم إلى مبرر لانتقاص حقوق الآخرين .

لقد قرر القرآن الكريم مبدأ الكرامة الإنسانية في قوله تعالى *وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ* كما أكد المسؤولية الفردية بقوله تعالى *وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى* .

 

وهذان المبدأين يضعان أمامنا قاعدة واضحة لا يجوز إهانة الإنسان بسبب معتقده أو انتمائه أو اختياراته ولا يجوز كذلك تحميل مجتمع بأكمله مسؤولية جريمة يرتكبها فرد أو مجموعة .

إن المجتمع المصري بتنوعه وتاريخه لا يحتاج إلى من يضعه في قوالب جاهزة بل إلى من يساعده على معالجة مشكلاته بموضوعية ويحافظ على ثوابته دون أن يغلق أبواب الحوار والتطوير .

الدفاع عن المرأة لا يكون بإدانة المجتمع كله

لا خلاف على أن كرامة المرأة حق أصيل وأن العنف ضدها أو التمييز بحقها ممارسات مرفوضة يجب مواجهتها بالتوعية والتشريع وتطبيق القانون .

لكن الدفاع عن المرأة لا ينبغي أن يتحول إلى اتهام جماعي للمجتمع كما أن التمسك بالقيم الدينية والاجتماعية لا يجوز أن يكون ستاراً لتبرير العنف أو الانتقاص من الحقوق .

إن المعادلة الصحيحة ليست صراعاً بين المرأة والمجتمع ولا بين الدين والحداثة بل شراكة تقوم على الكرامة والعدل والمسؤولية وتحفظ للمرأة حقوقها وللأسرة استقرارها وللمجتمع هويته .

ومن منظور الأمن المجتمعي فإن استقرار الأسرة واحترام المرأة وحماية الأطفال وتعزيز ثقافة الحوار ليست قضايا هامشية إنها عناصر أساسية في بناء الإنسان المصري القادر على المشاركة في صناعة المستقبل .

فالمجتمع القوي ليس المجتمع الذي يخلو من الخلاف بل المجتمع الذي يعرف كيف يدير خلافاته دون أن يهدم الثقة بين أبنائه .

الفن حرية وإبداع •• ولكنه مسؤولية أيضاً*

الفن أحد أهم أدوات تشكيل الوعي وله قدرة على التأثير في الأفكار والمشاعر والسلوك ولذلك فإن الحديث عن حريته لا ينبغي أن ينفصل عن الحديث عن مسؤوليته .

وقد أعلنت الفنانة إلهام شاهين رغبتها في تقديم مسرحية (المومس الفاضلة) وهو عمل درامى يرتبط العنوان في تاريخه المسرحي بمناقشة قضايا اجتماعيه اخلاقيه وحتى الآن فإن الإعلان عن تقديم العمل لا يتيح إصدار حكم نهائي على معالجة العرض المرتقب أو مضمونه قبل مشاهدته وتقييمه .

لكن من حق الجمهور أن يناقش دلالة العنوان ومدى ملاءمته للبيئة الثقافية والاجتماعية وطريقة تناول الموضوع وما إذا كانت المعالجة الفنية تحقق غايتها الفكرية والإنسانية دون أن تصدم الجمهور أو تستفزه دون ضرورة فنية .

وهنا يجب أن نكون منصفين ليس كل عمل يثير الجدل عملاً مرفوضاً وليس كل ما يُقدم تحت اسم الفن محصناً من النقد .

فالحرية لا تعني إعفاء الإبداع من المساءلة النقدية كما أن المحافظة على القيم لا تعني مصادرة الإبداع أو الحكم عليه قبل ظهوره .

المعيار هو مضمون العمل ومعالجته وأثره في إطار القانون مع احترام حق الجمهور في النقد وحق الفنان في التعبير .

الكلمة مسؤولية •• خصوصاً حين تصدر عن شخصية عامة

تتضاعف مسؤولية الكلمة حين تصدر عن كاتب أو فنان أو شخصية عامة لأن تأثيرها يتجاوز صاحبها إلى قطاعات واسعة من المجتمع .

ومن هنا فإنني أوجه رسالة واضحة إلى مدحت العدل وإلهام شاهين وإلى كل من يتصدر المشهد الثقافي والإعلامي إن الاختلاف حق والإبداع حق والنقد حق لكن احترام المجتمع ومشاعره وقيمه مسؤولية لا تقل أهمية عن هذه الحقوق .

اتقوا الله فيما تقولون وتقدمون واجعلوا من الكلمة والفن وسيلة لبناء الوعي لا لتوسيع فجوة الخلاف.

ليس المطلوب أن يتفق الجميع على رأي واحد ولا أن يُمنع الفنان من طرح الأسئلة الصعبة وإنما المطلوب أن تكون المناقشة جادة وأن تُحترم عقول الجمهور وألا تتحول الاستفزازات أو التعميمات إلى بديل عن الحجة والإبداع الحقيقي .

فالمثقف صاحب رسالة والفنان صاحب تأثير والإعلامي صاحب مسؤولية وكلما اتسعت مساحة التأثير ازدادت الحاجة إلى الوعي بضوابط الكلمة ونتائجها .

من الجدل إلى الحلول •• ماذا نحتاج؟

إن القضية لا تُعالج بالهجوم على الأشخاص ولا بالمطالبة بإغلاق أبواب الإبداع وإنما بخطوات عملية تحفظ التوازن بين الحقوق والمسؤوليات .

١- دور الأزهر الشريف في توضيح المفاهيم الدينية وتصحيح الخلط بين التدين والتشدد وبين المحافظة على القيم ورفض الآخر بخطاب معاصر يقترب من الناس ويجيب عن أسئلتهم .

٢- دور وزارة الثقافة في دعم الفنون الجادة التي توسع أفق التفكير وتحترم عقل الجمهور وفتح حوار مهني حول المسؤولية الثقافية والاجتماعية للإبداع دون فرض الوصاية على الأفكار أو إهدار حرية التعبير .

٣- دور المجلس القومي للمرأة في مواصلة الدفاع عن حقوق المرأة ومناهضة العنف والتمييز مع دعم خطاب مجتمعي يجمع بين حماية المرأة وتعزيز استقرار الأسرة واحترام الكرامة الإنسانية .

٤- مسؤولية الإعلام والمؤسسات التعليمية والأسرة في تنمية التفكير النقدي لدى الأجيال الجديدة وتعليمها أن الاختلاف لا يبرر الإساءة وأن حرية الرأي لا تعني تجاهل أثر الكلمات والأعمال في الآخرين .

٥- احترام القانون وضماناته فليس كل عمل مثير للجدل مخالفة قانونية وليس كل نقد إساءة تستوجب العقاب وأي إجراء رسمي يجب أن يستند إلى نص قانوني واضح وأدلة محددة وإجراءات عادلة لا إلى ضغط جماهيري أو اختلاف في الأذواق .

إن هذه الأدوار لا تتعارض مع حرية الفن بل تساعد على بناء بيئة ثقافية أكثر نضجاً تحمي المجتمع من التعصب وتحمي الإبداع من التحول إلى مجرد وسيلة للاستفزاز أو صناعة الجدل .

بناء الإنسان يبدأ باحترام هويته

إن معركتنا الحقيقية ليست مع فنان أو كاتب وليست بين أنصار المحافظة وأنصار التجديد إنها معركة وعي نحتاج فيها إلى إنسان يعرف حقوقه وواجباته ويعتز بهويته دون تعصب وينفتح على العالم دون أن يفقد بوصلته الأخلاقية.

فلا نهضة بلا حرية مسؤولة ولا استقرار بلا عدالة ولا بناء حقيقي للإنسان إذا تحول الحوار إلى إهانة أو تحول الفن إلى ساحة لتبادل الاتهامات .

وأقولها بوضوح نحن لا نريد حرية تُصادر حق المجتمع في النقد ولا نريد قيماً تُستخدم لتبرير التضييق على الناس نريد حرية مسؤولة وفناً راقياً وخطاباً عاماً يحترم الدين والإنسان والمرأة والمجتمع .

إلى مدحت العدل وإلهام شاهين وإلى كل صاحب كلمة مؤثرة اختلفوا كما تشاؤون وأبدعوا كما ترون لكن لا تجعلوا من الاختلاف طريقاً إلى إدانة المجتمع كله ولا من الجدل غاية تتقدم على الرسالة فالأخلاق ليست عبئاً على المستقبل والهوية ليست عائقاً أمام التقدم إنهما من الأسس التي نبني عليها إنساناً مصرياً واثقاً بنفسه قادراً على التفكير والإبداع ومتمسكاً بكرامته وأخلاقه وهويته وقيمه ومسؤوليته تجاه وطنه .

زر الذهاب إلى الأعلى