أخبار ومتابعاتثقافة وابداعمقالات الرأى

د راندا رزق تكتب: بين تمرد نورا في بيت الدمية وصمت بسنت سليمان… قضية الأمان الاجتماعي للمرأة

قراءة سوسيولوجية نقدية في تحولات الأمان النفسي والاجتماعي للمرأة في العصر الحديث

تعد مسرحية بيت الدمية شهيرة بين كتابات المؤلف النرويجى المعروف هنريك إبسن، وقد عرضت لأول مرة على المسرح الملكى فى كوبنهاجن، في مثل هذا اليوم 21 ديسمبر من عام 1879 ميلادية.
ففي لحظة فارقة من مسرحية بيت الدمية، لم يكن قرار نورا هيلمر بمغادرة منزلها مجرد فعل درامي، بل كان إعلانًا فلسفيًا عن رفض منظومة اجتماعية تُقيد المرأة داخل أدوار جاهزة، وتُعيد تعريف وجودها من خلال الآخرين، والنص المسرحى ثائر على الوضع في موطن عرض المسرحية وكان ينبيء بوضع يصف حالة المرأة، وذلك فى الموقف الحاسم الذى اتخذته تجاه أعراف الزواج فى القرن التاسع عشر، فالعمل ينتهى بترك البطلة “نورا” زوجها وأبناءها بحثًا عن ذاتها.
ثم يعدل الكاتب لنهاية بديلة حتى تجد القبول فى المجتمع، ففى النهاية الألمانية تذهب نورا لأطفالها بعد أن تتشاجر مع تورفالد، فتنهار بعد رؤيتهم، ثم يسدل الستار.

“نورا”، كما صاغها الكاتب هنريك إبسن، لم تكن مجرد شخصية مسرحية، بل تحولت إلى رمز عالمي للتمرد على أنماط الهيمنة الاجتماعية المقنّعة في شكل حماية ورعاية.

بعد أكثر من قرن، لم تختفِ الأسئلة التي طرحها إبسن، بل ازدادت تعقيدًا.

في الواقع المعاصر، لم تعد المرأة تواجه فقط حدودًا مادية أو اجتماعية مباشرة، بل أصبحت تتحرك داخل فضاء أكثر تعقيدًا، تتداخل فيه الثقافة الرقمية مع البنى الاجتماعية التقليدية، لتنتج أشكالًا جديدة من الضغط والمساءلة.
في هذا السياق، تبرز قصص مثل بسنت سليمان، ليس باعتبارها حالات فردية منعزلة، بل كمؤشرات على مفهوم “الأمان الاجتماعي”، ذلك الحق الأساسي الذي يفترض أن يسبق أي حديث عن الحرية أو التمكين.
من منظور سوسيولوجي نقدي، يمكن فهم هذه الأزمة باعتبارها نتاجًا لتفاعل معقد بين ثقافة الهيمنة الذكورية، والبنى القانونية والاجتماعية، والأعراف التي—رغم تحديثها الظاهري—لا تزال تحمل في جوهرها تصورات تقليدية عن المرأة ودورها وحدودها.
في ظل هذه المنظومة، يتحول الأمان من حق طبيعي إلى حالة مشروطة:
مشروطة بالامتثال،
ومشروطة بالصمت،
ومشروطة أحيانًا بتحمل ما لا يُحتمل.
الفن، عبر التاريخ، كان مرآة لهذه التناقضات.
نورا كانت صرخة واعية ومقصودة لكسر القيد.
أما في الواقع، فبعض القصص لا تأتي كصرخة… بل كصمت ثقيل يفرض على المجتمع مواجهة ذاته.
لقد أضافت السوشيال ميديا طبقة جديدة من التعقيد، حيث لم تعد الرقابة اجتماعية مباشرة، بل أصبحت رقابة جماعية سريعة، تقوم على التقييم الفوري، والحكم العلني، وإعادة إنتاج نفس أنماط الضغط بأشكال رقمية.
وهنا تظهر المفارقة:
أن المرأة أصبحت أكثر حضورًا وظهورًا من أي وقت مضى، لكنها ليست بالضرورة أكثر أمانًا.

بين تمرد نورا وصمت بسنت، تتكشف فجوة عميقة بين “الحق القانوني” و”التجربة المعيشة”، وهي فجوة لا يمكن ردمها بالتشريعات وحدها، بل تحتاج إلى تحول ثقافي في الوعي الجمعي.
إن السؤال لم يعد: من المسؤول؟
بل: كيف نعيد تعريف الأمان باعتباره حقًا غير قابل للتجزئة أو التفاوض؟
لأن المجتمعات لا تُقاس فقط بمدى تقدمها…
بل بقدرتها على حماية إنسانيتها.
ثم تتكشف الحقيقية الواقعية ـ التي نسطرها واقعًأ ومستقبلاً ـ لترسم للمرأة الطريق أمام مواجهة الصعاب، والتعبير عن قوتها بإثبات قيمتها، والصبر والتصبر والعمل الجاد للخروج من بوتقة الأزمات النفسية، والدخول في نطاق السعادة الإيجابية المأمولة، وتصف واقعية الإيمان والرضا الذي يعالج قضية تمرد نورا في بيت الدمية وصمت بسنت سليمان.

أ.د. رندا رزق

أستاذ  ورئيس قسم الإعلام التربوي – جامعة القاهرة
أستاذ النقد والدراما

زر الذهاب إلى الأعلى