أخبار ومتابعات

د. فايد محمد سعيد : أخلاقيات الطب والذكاء الاصطناعي بين الانفتاح والضوابط

متابعات يوتوبيا

 

تغيرت ملامح الطب في العقود الأخيرة بشكل جذري؛ فالمريض لم يعُد يجلس فقط أمام طبيبٍ يستمع ويُشخّص، بل أمام شاشة تفحص تاريخه المرضي، وتُقدّر الاحتمالات، وتُنتج خطة علاجية باستخدام الذكاء الاصطناعي. فهل يمكن للآلة أن تحلّ محل الطبيب؟ وما حدود المسموح شرعًا وأخلاقيًا في هذا المشهد المتغير؟

هذه الأسئلة العميقة كانت محور مؤتمر دولي علمي نظمته المنظمة الإسلامية للعلوم الطبية في الكويت تحت عنوان:

الذكاء الاصطناعي في الطب: التحديات الأخلاقية والضوابط الشرعية”.

وقد جمعت المنظمة – كعادتها – علماء الشريعة، وأطباء المعلوماتية الطبية، وخبراء الذكاء الاصطناعي، في حوار علمي منضبط، هدفه وضع ضوابط فقهية وأخلاقية لاستخدام الذكاء الاصطناعي في الممارسة الطبية، دون التفريط في كرامة الإنسان، ولا الإفراط في الثقة بالآلة.

من أبرز محاور المؤتمر:

مفهوم الذكاء الاصطناعي في المجال الطبي:
كيف تنتج الخوارزميات قرارات تشخيصية أو علاجية، وكيف تُبرمج وفقًا للمعطيات السريرية الضخمة (Big Data).
الفتوى والتشخيص الآلي:
هل يجوز الاعتماد على آلة أو برنامج في اتخاذ قرار طبي مصيري؟
وهل يُعد ذلك “تفويضًا غير مشروع” من الإنسان إلى غير ذي عقل؟
المسؤولية الأخلاقية والشرعية:
إذا أخطأ الذكاء الاصطناعي في تشخيص أو تسبب في ضرر للمريض، فعلى من تقع المسؤولية؟ على الطبيب؟ أم المبرمج؟ أم شركة البرمجيات؟
التمييز الرقمي:
ناقش المؤتمر خطر انحياز الخوارزميات ضد فئات سكانية معينة بناءً على العِرق أو الجنس أو الحالة الاجتماعية، وهو ما يتعارض مع مبدأ العدالة في الطب ومقاصد الشريعة.
حرمة الخصوصية الجينية والبيانات الصحية:
أكدت البحوث أن استخدام الذكاء الاصطناعي يجب أن يتم في ظل أنظمة تحفظ خصوصية المرضى وكرامتهم، وأن تداول البيانات الجينية دون إذن واضح يُعد تعديًا شرعيًا وأخلاقيًا.

نتائج وتوصيات فقهية غير مسبوقة

خرج المؤتمر بجملة من التوصيات الفقهية الرصينة التي تُعد فتحًا جديدًا في فقه الطب الحديث، منها:

لا يُسمح بالاعتماد الكامل على الذكاء الاصطناعي في التشخيص أو العلاج دون إشراف بشري مختص، حفاظًا على مبدأ المسؤولية الشرعية.
يجب أن تُصمَّم أنظمة الذكاء الاصطناعي بما يحترم القيم الأخلاقية الإسلامية، وتُراعي قواعد الحلال والحرام في الاستطباب والتجريب.
حماية البيانات الصحية والجينية واجب شرعي، ويجب أن تُحاط بسياج قانوني وأخلاقي يُصان من العبث والتجارة والاستغلال.
ضرورة إنشاء هيئات رقابة شرعية طبية تُراجع خوارزميات التشخيص والعلاج من منظور شرعي وإنساني، قبل اعتمادها في مؤسسات الصحة.

فقه الواقع المتقدم: المنهج الفريد للمنظمة

اللافت في هذا المؤتمر – كما في مؤتمرات المنظمة كلها – هو المنهجية العلمية المتكاملة:

فكل مسألة تبدأ بعرض طبي دقيق يقدمه مختص.
ثم تُعرض على لجنة فقهية متعددة الخلفيات.
ثم تُصاغ مخرجات فقهية بمستوى مؤسسات الإفتاء العليا.

وهذا ما يجعل المنظمة الإسلامية للعلوم الطبية بيت خبرة تخصصي يخدم المجامع الفقهية ويُعين العلماء في استيعاب النوازل المعاصرة.

بين الطبيب والآلة… لا بد من الفقيه

ليس الهدف من هذا المؤتمر الوقوف في وجه التطور، بل ضبطه. وليس منع الذكاء الاصطناعي، بل تهذيبه بالأخلاق والشرع.

فالطب بدون ضوابط يتحول إلى خطر، والتقنية دون حكمة تصير عبئًا، والآلة دون روح تُنذر بتحوّل الإنسان إلى كائن رقمي بلا كرامة.

زر الذهاب إلى الأعلى