د. عبد الراضي رضوان يكتب: رِفاقُ الصَّفا وخِلَّان الوفا

إذا كان الصَبُّ تفضحه عيونه فإن الإنسان تفضحه الشعراء ؛ لأن الشِعْرَ هو المرآة الصافية التي تنعكس فيها مشاعر الإنسان ومواجيده.
فلو احتكمنا إلى معيار الإنسانية لدى إيليّا أبو ماضي الذي حدده بقوله:
إنّ نَفْساً لم يشرق الحبُّ فيها..
هي نفسٌ لم تَدْرِ ما معناها.
فإن ذلك يعني أن الإنسانية قد باتت بمعزل عن مكنون جوهرها وحقيقتها عندما غاب عنها وجود الخِلّ الوفيّ ، ذلك الأمر الذي رصده صفي الدين الحلي بعد معاينة وتمحيص :
لَمّا رأيتُ بني الزمانِ وما بهم ..
خِلٌّ وفيٌّ للشدائد أصطفي .
أيقنْتُ أنّ المستحيلَ ثلاثةٌ ..
الغُولُ والعنقاءُ والخِلُّ الوفيُّ.
وإذا كان تقرير صفي الدين الحلي استقرائيا واسعا فإنّ التجارب الذاتية لشعراء الحكمة كالمتنبي قد أكدت ما انتهى إليه الحِليّ ، فأبو الطيب المتنبي يؤكد عن تجربة شخصية شاملة لمحيطه أن وجود الخيل الأصيلة قليل مثل الأصدقاء عند من لديه خبرة بأحوال الدنيا :
وما الخيلُ إلا كالصديقِ قليلةٌ .. وإنْ كثُرَتْ في عينِ مَنْ لا يجرّبُ .
لذلك يتوجّه المتنبي بالنصيحة لكل راغب في تحقيق إنسانيته من خلال الصداقة بأن يتخذ من نفسه الصديق الصدوق له :
خليلُك أنت لا مَنْ قُلتَ خِلّي ..
وإنْ كَثُرَ التجمُّلُ والكلامُ .
وفي عصرنا الحاضر لم يتبدل الحال فهذا شاعر الحب نزار قباني قد استجاب لنصيحة المتنبي في البحث عن صديق من الذات فاتخذ من الحزن صديقا رفيقا أسفا على ندرة الخلّان الأوفياء :
وأنا الحزنُ مِنْ زمان صديقي ..
وقليلٌ في عصرنا الأصدقاءُ .








