مقالات الرأى

لواء يحيى عبد الكريم يكتب: المرأة والأمن المجتمعي

مقالات للرأي

المرأة والأمن المجتمعي


تُعَدّ المرأة في أي مجتمعٍ عمادَ استقراره، ومصدر توازنه الأخلاقي والإنساني، إذ لا يُتصور أمن حقيقي دون أن تكون المرأة آمنة في نفسها وكرامتها.

وقد قرر القرآن الكريم هذا المعنى في أسمى صوره حين قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾، فجعل الكرامة الإنسانية أصلًا لا يُنتقص، وركيزة يقوم عليها البناء الاجتماعي المتماسك، ومن هذا المنطلق، فإن واقع المرأة في مصر يظل مؤشرًا دقيقًا على مستوى الأمن المجتمعي، قوةً وضعفًا.

وتؤكد الإحصاءات الرسمية الصادرة عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، بالتعاون مع المجلس القومي للمرأة، وبدعم من صندوق الأمم المتحدة للسكان، أن ملايين النساء في مصر يتعرضن سنويًا لأشكال مختلفة من العنف، في حين تشير البيانات إلى أن نسبة معتبرة من النساء تعرضن للعنف الجسدي مرة واحدة على الأقل.

وتعكس هذه الأرقام اتساع الظاهرة، لكنها في الوقت ذاته لا تُحيط بها إحاطة كاملة، خاصة في ظل محدودية البيانات الدورية التفصيلية الصادرة عن الجهات المعنية، وهو ما يطرح تحديًا أمام الفهم الدقيق لأبعاد المشكلة.

ولا تقف خطورة العنف ضد المرأة عند حدود الألم الفردي، بل تمتد تداعياته لتصيب بنية الأمن المجتمعي في الصميم، إذ يؤدي إلى تفكك الأسرة، واضطراب عملية التنشئة، ونشوء أجيال مشحونة بالعنف أو الخوف، فالطفل الذي ينشأ في بيئة يسودها العنف، غالبًا ما يعيد إنتاجه في سلوكه، مما يخلق دائرةً مغلقةً من الاضطراب الاجتماعي.

كما أن العنف يضعف ثقة المرأة في المجتمع ومؤسساته، ويحد من مشاركتها في الحياة العامة، وهو ما يعني خسارة طاقاتٍ بشرية كان يمكن أن تسهم في التنمية والاستقرار.

وهنا تتجلى دلالة قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ﴾، إذ لا يمكن أن يتحقق أمن حقيقي في ظل ظلمٍ ممتد داخل البيوت.

ومن التداعيات الخطيرة أيضًا أن انتشار العنف يُسهم في تآكل منظومة القيم، ويُطبع السلوك العدواني بوصفه أمرًا عاديًا أو مقبولًا ضمنيًا، مما يهدد السلم الاجتماعي على المدى البعيد.

كما أن الأعباء النفسية والاقتصادية الناتجة عن العنف من علاجٍ وفقدان إنتاجية تثقل كاهل المجتمع والدولة، وتعرقل جهود التنمية.

وقد عبّر الشعر العربي عن مركزية الأخلاق في بقاء الأمم، فقال:

وإنما الأممُ الأخلاقُ ما بقيت .. فإن همُ ذهبت أخلاقهم ذهبوا

وفي مواجهة هذه التداعيات، تبرز الحاجة إلى رؤيةٍ شاملةٍ تتكامل فيها الجهود التشريعية والمؤسسية والثقافية.

فمن جهة، لا بد من تعزيز القوانين الرادعة وتفعيلها بصرامة، وتطوير آليات الحماية والدعم للضحايا، بما يشمل مراكز الإيواء وخدمات الدعم النفسي والقانوني.

ومن جهةٍ أخرى، يتعيّن نشر الوعي المجتمعي بخطورة العنف ورفضه، وتصحيح المفاهيم الثقافية التي تبرره، وذلك عبر التعليم والإعلام والخطاب الديني المستنير، كما أن تمكين المرأة اقتصاديًا وتعليميًا يُعدّ من أهم سبل الوقاية، إذ يمنحها القدرة على اتخاذ القرار ومواجهة الانتهاكات.

ولا يقل عن ذلك أهمية تطوير منظومة البيانات والإحصاءات، عبر تعزيز الشفافية والتنسيق بين المؤسسات، بما يتيح فهمًا أدق للظاهرة، ويساعد على صياغة سياسات أكثر فاعلية، فالمعرفة الدقيقة هي الخطوة الأولى نحو المعالجة الناجحة، ولا أمن بلا وعي، ولا وعي بلا معلومات موثوقة.

وفي الختام، فإن العنف ضد المرأة في مصر ليس قضيةً فردية أو فئوية، بل هو تحد يمس الأمن المجتمعي في جوهره، ومواجهته تقتضي إرادةً جماعيةً صادقة، تُعيد الاعتبار لقيم العدل والرحمة، وتضع المرأة في موضعها الطبيعي شريكًا كاملًا في بناء مجتمع آمن متماسك، تتكافأ فيه الفرص، وتُصان فيه الكرامة الإنسانية.

والله من وراء القصد،،،

عاشت مصر شعبًا وقيادة،،،

زر الذهاب إلى الأعلى