مقالات الرأى

د. علي شعبان يكتب: من مقومات بناء الإنسان

إن القاطرة التي تدفع أي جانب من جوانب التقدم الإنساني هي القوة البشرية، ومن ثم، فلا يمكن إحراز أي تقدم أو تنمية في أي مجتمع إنساني إلا إن كانت تلك القاطرة مزودة بالأدوات والمناهج التي تساعدها على المضي قدما في سبيل النجاح والتنمية، ومسلحة بالإدراك الكامل لحقوق الفرد وواجباته، ذلكم الإدراك الواعي الذي يجعل صاحبه متحفزا لأداء ما عليه من واجبات، حتى يتسنى له أن يطالب بما له من حقوق. لقد غرس الإسلام في نفوس معتنقيه تلكم القيم التي تعلى من شأن إحساس الإنسان بمسؤوليته نحو نفسه ونحو المجتمع الذي يعيش فيه، فهو يؤمن بأن كل نفس بما كسبت رهينة، وبأنه لا تزر وازرة وزر أخرى.

لم يحقق المسلمون الأوائل ما حققوه من نهضة راقية وحضارة سامية إلا بإدراكهم لقيم المسؤولية الفردية والجماعية، فصاروا جسدا واحدا يضطلع بمسؤوليات متناغمة، ويسعى إلى تحقيق أهداف متكاملة، لا يضيع فيها الفرد من أجل المجموع، ولا يضار المجموع بسلوكيات فردية تشذ عن منظومة الأخلاق التي تعارف عليها المجتمع. ربى نبي الإسلام (صلى الله عليه وسلم ) المسلمين على عدم الركون إلى إيمان لا يصحبه عمل، ولا على عمل لا يرتكن إلى عقيدة صحيحة تلهمه دائما أن واقعه لن يتغير إلى الأفضل إلا إن بادر هو إلى تغييره، وأن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم، وأن جناحي الإيمان والعمل لا يفترقان، بل يتلازمان ويتكاملان حتى يحققا الغاية المرجوة وهي التنمية والتطور والاعتماد على الذات.

ولذك نرى أن الإسلام في بداياته الأولى قد اعتمد على بناء الإنسان السوي، فعلمه أنه لا فضل لأحد على أحد إلا بالتقوى، وأن الإنسان حر لا حدود لحريته إلا ما وضعه الله من قواعد تضبط السلوك، وتجعل المجتمع المسلم كالبنيان يشد بعضه بعضا، وأن السلوك الذي يضر بهذا المجتمع ليس إلا خرقا لمنهج الله الذي ارتضاه لعباده المؤمنين.

إن ذلكم التناغم الذي جعل المجتمع المسلم مجتمعا مميزا اقتضى – لا شك – أن تتنوع وظائف الأفراد المدنية في المجتمع، وأن تتوحد وظائفهم الدينية في المسجد الذي كان ملتقى تناقش فيه مشكلات المجتمع، وتوضع فيه حلولها، وفي الوقت نفسه تتلاقى قلوب المسلمين على طاعة الله تعالى وأداء عبادته. ومن ثم، اقتضى الأمر أن تتكامل مهمات المسلمين المدنية ما بين معلم، ومتعلم، وصانع، وزارع، وفقيه، ومحدث، ومفسر، ومفتٍ، وجندي، وقائد، وغيرها من المهمات التي علمهم إياها قائد الأمة، ورسول الإنسانية نبينا محمد (صلى الله عليه وسلم ).

إن هذا الإدراك المتطلبات النجاح في الحياة هو الذي أفرز من المسلمين علماء في شتى مناحي العلم المدني، فظهرت في العالم الإسلامي الجامعات الإسلامية قبل أن تظهر في أوروبا بسنين عددا، وهي التي أنشأت في عهد قديم جدا فكرة المدن الجامعية للطلاب المغتربين، وهي ما كانت تسمى بالأروقة، وظهر رواد الفكر العلمي في مجالات الكيمياء، والرياضيات، والطب، والفيزياء، والفلك، وغيرها من فروع العلوم والفكر.

وما كان لشيء من ذلك أن يحدث إلا بما وضعه الإسلام من قيم حضارية، وعقدية، وأخلاقية، ليس من شأنها إلا بناء الإنسان الذي يعد القاطرة الأولى في مسيرة التنمية الإنسانية، الإنسان الذي أدرك منذ الوهلة الأولى مسؤوليته الإنسانية تجاه نفسه، ودينه، ومجتمعه، فانطلق يبني متوكلا على ربه، وموازنا بين واجباته الدنيوية والأخروية، مستلهما قوله تعالى: “وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا”.

إن المنهج الإسلامي منهج رباني، وضعه الذي خلق الإنسان، وهو يعلم من خلق، وازن بين المادة والروح، ولم يعل أحدهما على الآخر، فأنتج إنسانا سويا قادرا على أن يقدم النقع للإنسانية جمعاء، وأن ينبي مجتمعا يوازن بين العلم والدين.

أ.د. علي علي أحمد شعبان
كلية اللغات والترجمة – جامعة الأزهر

زر الذهاب إلى الأعلى