أخبار ومتابعات

ومضات على الطريق للدكتور عزيز أبو الليل .. الومضة الخامسة: قوم لوط .. الجزاء من جنس العمل .

استعرضنا في الومضة السابقة كيف كان أبو الأنبياء إبراهيم عليه السلام أُمة، وكيف كان فعله لما تعرض له من اختبارات ومِحن، تعجز لحملها الجبال سواءً مع أبيه أو مع قومه أو مع النمرود أو مع ولده إسماعيل، وكيف أَرتقي إلى أن يكون عبدًا ربانيًا لله يقول للشىء كن فيكون، ويغير الله لأجله نواميس الكون فالنار لا تحرق، والسكين لا تقطع، والبعوض يَقتل جيوشًا ويُسقط عروشًا.
وكان في زمان إبراهيم عليه السلام ابن أخيه لوط عليه السلام (معنى لوط الإصلاح) الذي طاف معه البلاد في الدعوة إلى الله، ثم أرسله الله إلى أهل سدوم، والتي من الأرجح أنها تقع في الأردن، وهم من أفجر الخلق؛ لأنهم كانوا يقطعون السبيل، ويأتون في ناديهم المنكر، ويأتون الفاحشة (التزيد في القبح) التي لم يسبقهم فيها قبلهم قوم قط؛ وهي إتيان الذكران من العالمين وترك ما خلق الله لهم من النساء، وأخذ لوط عليه السلام يدعوهم ليتجنبوا الفواحش، فما كان منهم إلا أن أصروا على فعلهم، بل وسَعَوْا إلى إخراج لوط عليه السلام وأهله وطردهم من قريتهم لا لذنب اقترفوه إلا لأنهم كانوا من المتطهرين، نعم ذنبهم أنهم كانوا من المتطهرين، هكذا تنقلب المعايير وتتبدل الأخلاق، فيُكذّب الصادق ويُصدّق الكاذب، فكان منطقهم عندما أشعرهم لوط عليه السلام بالذنب وفحش ما يحدث، هو طرده من قريتهم لأنه سوف يفسد عليهم ما يتمتعون به، وهكذا تأبُ أهل الباطل لايحبون أن يكون من بينهم من يأمرهم بالحق أوينهى عن فعل الباطل، يضيقون به ذرعًا، بل وصل بهم الصلف أن تَحدُوه بأن يأتيهم بعذاب الله إن كان من الصادقين.
ولنبحث المسالة من الناحية العقلية… فالإنسان خليفة الله في الأرض كفل الله له القوت للحياة وجعل له الزواج وخلق الذكر والانثى لبقاء النوع، فالإنسان لا يُولد ومعه مقومات الخلافة، بل يمر بخمس مراحل، فهو يكون أول الأمر نطفة في ظهر أبيه، ثم جنينًا في بطن أمه، ثم يُولد وهناك فترة طفولة تحتاج إلى عناية، وفترة تربية حتى يبلغ رشده ويصلح للخلافة في الأرض، فما الذى يجعل الإنسان يتحمل كل هذه المتاعب؟ أنها الشهوة التي وضعها الله في الذكر والأنثى لإعمار الأرض، التي لو وضعت في غير موضعها تكون قد أفسدت في سنة الكون، وهو ما فعله قوم لوط عليه السلام، وما يفعله كل الشواذ.
وجاءت الرسل من الله (الملائكة) إلى لوط عليه السلام على هيئة رجال بحسن المنظر والهيئة، فضَاق بهم لوط عليه السلام ذرعًا خشية من قومه ألا يصون حرمة ضيوفه، وكان ما ظن، حيث أخبرتهم زوجته بوجود هؤلاء الرجال حسن الهيئة، فجاءوه قومه إليه يُهرعون بنية إرتكاب السوء، فقال لهم لوط عليه السلام أن هؤلاء النساء من القرية هن بناتي بصفته والد لهن وأحل لكم بالزواج بهن لإعمار الأرض، وليس كما قيل إنه عرض ابنتيه عليهم، وذلك لكونهن اثنتين فقط، كما أنه لن ينهاهم عن الشذوذ ويدعوهم إلى الزنا ببنتيه، فأخبرت الملائكة لوطًا عليه السلام أنهم رُسل الله ولن يستطيع قومه أن يصلوا إليهم، وأنه يجب عليه أن يترك القرية ليلًا ولا يلتفه خلفه لأن العذاب سيحل عليه صباحًا، والصبح لأنه عُرف الحروب في الصباح كما أنهم سيكونون نائمين ليس لديهم استعداد للمقاومة، فكانت الصيحة صبحًا حتى يحدث لهم اضطرابًا يفقدوا توازنهم الفكري، ثم أخذهم ونهايتهم في الشروق.
وهنا ومضة مضيئة، وهي أنه ما على الرسول إلا البلاغ، أما الهداية فبيد الله عز وجل وحده،ومهما بلغت درجة القرابة لن يفيدك إلا عملك، حتى ولو زوجة نبي مُرسل، وهنا تظهر حرية الاعتقاد والعقيدة دون اجبار ليكون الحساب يوم القيامة، وسبق وأن رأينا كفر زوجة نوح عليه السلام وابنه، والخيانة التي وصفت بها زوجتى نوح ولوط عليهما السلام هي الخيانة في العقيدة والاتباع وليس الخيانة الزوجية التي حاش لله أن تُوصف به زوجة نبي.
ويأتي الليل، ويخرج لوط عليه السلام ومن معه من القرية دون أن يلتفت منهم أحد خلفه، إلا زوجته التي كانت من الغابرين حيث بقت مع قوم لوط عليه السلام وهلكت معهم، فأصابها ما أصاب قوم لوط عليه السلام، أذن ماذا حدث لهم؟ وما العقوبة التي عاقبهم بها على فعلهم؟
رُوي أن جبريل عليه السلام رفع قري قوم لوط عليه السلام (قيل أربع أو خمس قري وقدر ساكنيها بأربعمائة ألف) بريشة من جناحيه إلى عنان السماء حتى سَمِع أهل السماء نباح كلابهم وأصواتهم، وخَسف بهم الأرض فصار عاليها سافلها، وأرسل عليهم مطرًا من الحجارة، وقيل أن كل حجر مكتوب عليه اسم من سيقتله.
وهنا ومضة هامة، وهي أن الجزاء من جنس العمل، فلما كانت خطيئة قوم لوط عليه السلام قلب موازين الفطرة السوية السليمة كانت العقوبة هي قلب الأرض عليهم رأسًا على عقب، ليعلم القاصي والداني أن الله ليس بظلام للعالمين، وأنه رغم أن المطر يأتي بالخير والرحمة، فقد يأتي بالعذاب، ولا عجب في أن تكون تلك الحجارة ُمسومة تَعرف من تذهب إليه من قوم لوط، لأن البشرية استطاعت أن تصنع صواريخ موجهة للهدف الذي ت ريده فلا ضيرمن أن يصنع الله حجارة موجهة لأصحابها.
رأينا كيف يعاقب الله عز وجل من يتعدى حدوده، ويقلب الطبيعة البشرية والفطرة الإنسانية، وتكوت العقوبة من جنس العمل، فكما تدين تدان، لكن كيف استمرت الحياة بعد ذلك؟ وكيف تعامل الإنسان مع هبات الله له؟ وهو ما سوف نتعرض له في الومضات التالية إن شاء الله تعالى.

زر الذهاب إلى الأعلى