من دولة نامية إلى قوة عالمية.. الهند ترسم ملامح نهضة شاملة بالابتكار والتكنولوجيا
كتب: محمد رأفت

تواصل الهند مسيرة صعودها على الساحة الدولية، مستندة إلى نهضة متسارعة تشمل الاقتصاد والتكنولوجيا والفضاء والبنية التحتية والدفاع والطاقة المتجددة، في تحول يعكس تطلعات أكثر من 1.4 مليار مواطن نحو بناء دولة متقدمة بحلول عام 2047.
ولا يقتصر النمو الهندي على المؤشرات الاقتصادية، بل يمتد إلى تطوير القدرات الوطنية وتعزيز الابتكار، بما يعيد تعريف إمكانات الدول النامية وقدرتها على المنافسة في المجالات التكنولوجية والاستراتيجية.
اقتصاد متنامٍ وريادة أعمال متصاعدة
شهد الاقتصاد الهندي تحولًا كبيرًا خلال السنوات الماضية، مع صعود البلاد إلى المرتبة الرابعة عالميًا من حيث حجم الاقتصاد. ويواكب هذا النمو توسع الطبقة الوسطى وارتفاع نسبة الشباب ورواد الأعمال، إلى جانب وجود نحو 250 ألف شركة ناشئة تعمل في قطاعات متنوعة.
كما تجاوز حجم التجارة الهندية 1.5 تريليون دولار خلال العام الماضي، بما يعكس اتساع حضور الهند في الاقتصاد العالمي وقدرتها على تحويل الابتكار وريادة الأعمال إلى محركات للنمو.
الفضاء.. طموحات تتجاوز حدود الأرض
أصبحت الهند لاعبًا بارزًا في مجال استكشاف الفضاء، خاصة بعد نجاح مهمة «تشاندرايان-3» في الهبوط على القطب الجنوبي للقمر، في إنجاز تاريخي عزز مكانة البلاد في قطاع الفضاء.
كما شهد القطاع مشاركة متزايدة من الشركات الخاصة، من بينها نجاح إطلاق صاروخ «فيكرام-1»، بما يعكس توجه الهند نحو توسيع قاعدة الابتكار والاستثمار الخاص في صناعة الفضاء.
طفرة في البنية التحتية والنقل
تعمل الهند على تطوير شبكة واسعة من مشروعات البنية التحتية، شملت السكك الحديدية والطرق والمطارات والموانئ. وتعد السكك الحديدية الهندية من أكبر شبكات النقل في العالم، بينما شهد عدد المطارات توسعًا كبيرًا خلال العقد الأخير.
كما توسعت شبكة الطرق السريعة الوطنية لتقترب من 150 ألف كيلومتر، بالتزامن مع زيادة الطاقة الاستيعابية للموانئ الرئيسية وتطوير قطارات «فاندي بهارات» محلية الصنع، في إطار استراتيجية تستهدف تحسين حركة الأفراد والبضائع وتعزيز النشاط الاقتصادي.
التحول الرقمي.. التكنولوجيا في خدمة الجميع
تتبنى الهند نموذجًا واسعًا للبنية التحتية الرقمية العامة، بهدف تسهيل حصول المواطنين على الخدمات وتعزيز الشمول الرقمي.
وتبرز منصة «باشيني» (Bhashini) المدعومة بالذكاء الاصطناعي، والتي تستهدف التغلب على الحواجز اللغوية وتعزيز الوصول إلى الخدمات الرقمية، باعتبارها نموذجًا لتوظيف التكنولوجيا في خدمة المواطنين.
تقدم في تكنولوجيا الكم والطاقة النووية
تسعى الهند إلى ترسيخ مكانتها في التقنيات المستقبلية، ومن بينها تكنولوجيا الكم، حيث نجحت في تطوير شبكة اتصالات كمّية يصل طولها إلى نحو 1000 كيلومتر.
كما تواصل البلاد تطوير قدراتها في مجال الطاقة النووية، من خلال مشروعات ومفاعلات مطورة محليًا، إلى جانب أبحاث تستهدف توظيف الطاقة النووية في إنتاج الهيدروجين، بما يعكس توجهًا نحو امتلاك تقنيات استراتيجية متقدمة.
من مستورد للسلاح إلى مُصدر للصناعات الدفاعية
شهد قطاع الصناعات الدفاعية الهندي تحولًا ملحوظًا، مع زيادة الاعتماد على الإنتاج المحلي والتوسع في تصدير المعدات والأنظمة الدفاعية.
وتشمل القدرات الهندية عددًا من الصواريخ والمنظومات الدفاعية والطائرات والسفن والغواصات، بما يعكس جهود نيودلهي لتعزيز استقلالها الدفاعي وتحويل الصناعة العسكرية إلى أحد مجالات القوة التكنولوجية والتصديرية.
التنمية المستدامة والطاقة المتجددة
تضع الهند الاستدامة ضمن محاور خططها التنموية، من خلال مبادرات تهدف إلى تشجيع أنماط الحياة الصديقة للبيئة والتوسع في مصادر الطاقة المتجددة.
وتحتل الهند مركزًا متقدمًا عالميًا في قدرات الطاقة المتجددة، بما يعكس توجهها نحو تحقيق التوازن بين النمو الاقتصادي والحفاظ على البيئة.
«بهارات المتقدمة».. رؤية للهند في 2047
وتتمحور الرؤية الهندية حول تحقيق هدف «بهارات المتقدمة» (Viksit Bharat) بحلول عام 2047، عبر الاستثمار في الإنسان والتكنولوجيا والبنية التحتية والابتكار وتعزيز القدرات الوطنية.
وتقدم التجربة الهندية نموذجًا لصعود دولة نامية استطاعت توظيف حجم سوقها وقوتها البشرية واستثماراتها في التكنولوجيا والابتكار لبناء قدرات تنافسية في مجالات متعددة، من الفضاء والاقتصاد الرقمي إلى الدفاع والطاقة والبنية التحتية.
وهكذا تواصل الهند كتابة قصة تحولها من دولة خرجت من الحقبة الاستعمارية إلى قوة اقتصادية وتكنولوجية متنامية، في تجربة تعكس طموحاتها الوطنية وتمتد دلالاتها إلى دول الجنوب العالمي الساعية إلى تحقيق التنمية والابتكار والاستقلال التكنولوجي.









