
من سلسلة: عندما يكون الحلّ هو المستحيل – (٤)
أ. د. فايد محمد سعيد

من أعظم مشاهد القرآن التي تكشف للإنسان هشاشة الأسباب أمام القدرة الإلهية، قصة بشارة إبراهيم وسارة عليهما السلام بالولد.
إنها قصة تهدم أمامك كل الحسابات، وتقفز فوق كل القوانين البيولوجية، لتعلّمك أن قانون الله أعلى من قوانين الطبيعة، وأن قدرته سبحانه تتجاوز ما نعهده من سنن الكون حين يشاء.

ليس الأمر مجرد ولادة متأخرة… بل هو انعكاس للممكن والمستحيل، إعادة تعريف للرجاء بعد أن أُغلقت أبوابه، وتذكير بأن الله لا تعجزه السنون، ولا يحدّ مشيئته كِبَر، ولا تمنعه الظواهر، ولا يُقاس عطاؤه بمعايير البشر.
١. اللحظة التي تبدأ منها المعجزة: زيارة الملائكة
يبدأ المشهد القرآني بزيارة غير عادية لإبراهيم عليه السلام، حين جاءته الملائكة في صورة بشر، فأجلسهم في بيته، وقدّم لهم الطعام — في مشهد يجسّد كرم الأنبياء — لكن أيدي الضيوف لم تمتد إلى الطعام.
هنا انتاب إبراهيم شيء من الخوف؛ فالضيف الذي لا يأكل ولا يشرب ليس من البشر.
فجاءه الاطمئنان من الضيوف أنفسهم:
﴿قَالُوا لَا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَىٰ قَوْمِ لُوطٍ﴾
وبمجرد أن زال الخوف، جاءته البشارة:
﴿وَبَشَّرُوهُ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ﴾
هكذا، دون مقدمات، دون تمهيد، دون تدرّج.
كلمة واحدة قلبت تاريخ أسرة كاملة، بل قلبت معاني الرجاء عند الإنسانية كلها.
لكن من أجل أن ندرك المعجزة، يجب أن نرى السياق:
إبراهيم شيخ كبير جدًا.
سارة عجوز طاعنة في السن.
وسارة — كما يصفها القرآن — عاقر.
والسنوات مرت طويلة بلا ولد.
بكل معايير الأرض:
لا يوجد احتمال، ولا فرصة، ولا بصيص أمل.
لكن هنا يتجلّى قانون السلسلة كلها:
عندما يكون الحلّ مستحيلًا… يبدأ الله يكتب الحل.
٢. دهشة سارة… دهشة الطبيعة
سارة عليها السلام كانت تسمع البشارة من خلف الحجاب، فلما أدركت ما يقولون، جاءت ردّة فعلها الفورية:
﴿فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ فَصَكَّتْ وَجْهَهَا وَقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ﴾
هذه العبارة تلخّص منطق الطبيعة:
عجوز + عقيم = مستحيل.
الصّرّة هنا صوت المفاجأة الشديدة، وصك الوجه فعل تعجّب واستبعاد لما سمعته.
إنها لحظة يُعبّر فيها القرآن عن جانب إنساني عميق:
أن الإنسان يقيس الأمور بالمعهود، بالمجرب، بالقوانين التي يعرفها.
لكنّ قدرة الله لا تُقاس بهذه المعايير.
هنا يأتي الردّ الذي يلخّص فلسفة الإيمان كلها:
﴿قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾
كأن القرآن يقول:
إذا تعجّب الإنسان، فذاك لأنه يقيس بعقله،
أما قدرة الله فلا تُقاس بالعقل ولا بالعلم ولا بالسنين.
إذا تعجّبتِ من الولادة… فالعجب ليس الولادة،
بل العجب أن تظني أن أمر الله يحدّه شيء.
٣. لماذا تأتي البشارة في آخر العمر؟
هذه من أعظم أسرار هذه القصة.
لماذا لم يرزق الله إبراهيم وسارة الولد حين كانا في شبابهما؟
لماذا جاء إسحاق في مرحلة لا يولد فيها الأطفال عادة؟
لأن الله أراد أن يعطيك — أيها القارئ — درسًا:
أن بعض الأرزاق لا تأتي حين تكون قوياً… بل حين تتجرد من القوة.
ولا تأتي حين تكون قادرًا… بل حين تنقطع قدرتك.
ولا تأتي حين تتوقعها… بل حين تنساها.
لو جاء الولد في الأربعين، لقلنا: طبيعي.
لو جاء في الخمسين، لقلنا: يحدث.
لكن حين يأتي في السبعين أو الثمانين… هنا نرى القدرة الإلهية عاريةً من الأسباب، خالصةً من التدبير البشري.
وهذا جوهر “الحل المستحيل”:
هو الحل الذي يأتي لكي يُظهِر مَن يفعل، لا كيف يفعل.
٤. الربط بين البشارة الإبراهيمية والمقاصد الرسالية
لم يكن إسحاق ولدًا عاديًا.
لقد كان جزءًا من خطة كونية:
ليحمل الرسالة من بعد أبيه،
ولتنطلق منه سلسلة أنبياء عظام،
وليكون رمزًا لامتداد الهداية.
ولهذا قال الله في بشارته:
﴿إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ﴾
ليس غلامًا فقط… بل عليمًا، يحمل نور المعرفة والنبوة.
فلو جاء إسحاق بالطرق الطبيعية، لربما ظنّ الناس أن الرسالة ترتبط بالقوة البشرية، أو بالقدرة الطبيعية، أو بالوراثة الهيكلية.
لكن الله أراد أن يربط الرسالة بالمشيئة لا بالطبائع،
وبالعناية لا بالقدرة البشرية،
وبالاختيار لا بالوراثة العادية.
إن هذا المعنى يتناسَب مع قول الله في مواضع متعددة:
﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾
٥. سر العلاقة بين الزمن والقدر
من أسرار قصص الأنبياء أن الزمن لا يتحكم بالقدر.
فالزمن عند البشر يحدّ الإمكانات:
كلما كبر الإنسان ضعفت قدرته.
وكلما طال الانتظار تناقص الأمل.
وكلما تأخر الرزق اعتقد الناس أنه لن يأتي.
لكن الله يريد أن يعلّمنا:
أن الزمن مخلوق، والقدر فوق الزمن.
لا يهم كم مضى من العمر.
لا يهم كم تُركت الأبواب مغلقة.
لا يهم كم سنة قلت فيها: “انتهى الأمل”.
فالله قادر أن يعطيك في لحظة واحدة ما حرمت منه لعشرات السنين.
ولهذا جاءت البشارة في وقتٍ لم يعد إبراهيم ولا سارة يفكران فيه بالولد أصلًا.
الولد هنا ليس مجرد طفل… بل بيانٌ لقدرة الله.
٦. دروس لسارة عليها السلام: من العقم إلى اليقين
سارة كانت مؤمنة تقية، صادقة مع الله، لكن بشريتها تظهر في عبارتها:
“أألد وأنا عجوز؟”
القرآن لا يخفي هذه اللحظات البشرية؛ لأنه يريد أن يصنع منها درسًا:
أن الإيمان لا يعني أن تنعدم من القلب المفاجأة، بل يعني أن تُخمد المفاجأة بسرعة حين تتذكر قدرة الله.
ولهذا كان الردّ الملائكي:
﴿أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾
كأنهم يقولون:
لو كان الأمر من البشر لكان عجبًا،
ولكنه من الله، فالعجب أن تتعجبي!
إنها تربية رقيقة عميقة، تصنع في القلب انكسارًا جميلًا أمام القدرة.
٧. بشارة تُولَد معها أمة
حين نقرأ قصة الولادة المتأخرة، يجب أن نرى ما بعدها:
إسحاق
ثم يعقوب
ثم يوسف
ثم سلسلة الأنبياء
ثم الأمة الإسرائيلية التي حملت الرسالة
كل هذا التاريخ الروحي العظيم…
بدأ من مشهد امرأة عجوز تصكّ وجهها من الدهشة.
هكذا يصنع الله الأمم من لحظات تبدو في ظاهرها صغيرة.
هكذا تبدأ القصص الكبرى:
من بيت صغير… من مجلس ضيوف… من بشارة خافتة… من قلبين يظنّان أن العمر انتهى.
٨. ماذا يقول لنا هذا المشهد اليوم؟
يقول لنا:
لا تيأس بسبب عمرك.
لا تتوقف عن الدعاء بسبب الزمن.
لا تقل: “فات الأوان”.
لا تقف عند حدود الطب.
لا تضع قدرة الله داخل معادلة بيولوجية.
إنه يقول لنا:
الله قادر أن يفتح لك بابًا في أكثر اللحظات التي تظن فيها أن لا باب.
هذه القصة ليست لعجوزين فقط…
إنها لكل إنسان:
لكل من انتظر رزقًا طويلًا.
لكل من حُرم من ولد.
لكل من فقد فرصة.
لكل من أُغلق في وجهه باب.
لكل من يشعر أن الزمن توقف.
الزمن لا يوقف الله.
والسن لا يمنع الفرج.
والأسباب ليست بابًا للقدرة… بل هي ستارٌ لها.
٩. الدرس الأعظم: المستحيل هو اللغة التي يُعلن الله بها قدرته
كما أن شق البحر كان إعلانًا للقدرة، وكما أن زمزم كان إعلانًا للقدرة، فكذلك ولادة إسحاق.
إن الله أحيانًا — في حكمته — يؤخر الرزق حتى يصل الإنسان إلى مرحلة اليأس الظاهر، ثم يعطيه من حيث لا يحتسب، حتى يدرك أن:
الله هو المعطي،
وأن الأسباب ليست إلا وسائل،
وأن المشيئة فوق الحسابات،
وأن المستحيل هو أقرب باب للقدرة.
ولهذا جاءت البشارة لإبراهيم وسارة في ذلك الوقت تحديدًا:
حتى يُقال لكل قلب بعدهما:
لا شيء مستحيل مع الله.
١٠. الخاتمة: حين يبتسم القدر بعد طول انتظار
قصة سارة ليست قصة إنجاب…
بل قصة ابتسامة القدر بعد طول دموع.
قصة نورٍ في أواخر العمر.
قصة فتحٍ يأتي بعدما يظن الإنسان أن حياته استقرّت بلا تغير.
قصة أن الرجاء لا يموت ما دام الله حيًّا قيّومًا.
إنها درس لكل لحظة نقول فيها:
انتهى الوقت،
انتهت الفرصة،
لم يعد في العمر بقية،
لقد فات الأوان.
لكن القرآن يقول لك:
الفوات كلمة بشرية… أما عند الله فلا شيء يفوت.
وعندما يكتب الله الفرج، يكتبه بطريقة لا تخطر على عقل، وفي وقت لا تتوقعه، ومن طريق لا تتصوره.
ولهذا ختم الملائكة كلامهم بجملة لو تأملتها لصارت حياة:
﴿إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ﴾
أي أنه سبحانه يفعل الجميل…
ويُكرم عباده…
ويصنع المستحيل…
ويعطي فوق ما يُطلب…
لأنه حميدٌ في عطائه، مَجيدٌ في قدرته.









