
من أكبر التحديات التي تعاني منها الجالية المسلمة في بريطانيا اليوم، هي عرقلة الزواج الشرعي لأسباب لا تستند إلى ميزان الدين، بل إلى معايير الأعراف القبلية، أو الفروقات الثقافية، أو العصبيات الجنسية واللغوية. كم من فتاة خُطبت من شاب صالح في دينه، كريم في خلقه، لكن أباها ردّ الخاطب لأنه من “جنسية أخرى” أو “قبيلة أخرى”؟! لا لذنب اقترفه، ولا لنقص في دينه أو أمانته، بل فقط لأنه “ليس منّا”.
وهذا عين ما حذر منه النبي صلى الله عليه وسلم حين قال:
«إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فزوّجوه، إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد عريض» (رواه الترمذي).
فالميزان النبوي واضح: الدين والخلق. لا المال، ولا النسب، ولا الأصل، ولا اللغة.
جمال التنوع… من هدي النبوة
بل من أعظم نِعم الله علينا كجالية مسلمة في هذا البلد، هذا التنوع المبارك: الهندي بجوار اليوغندي، والمصري بجوار الألباني، والقطري بجوار البوسني. يجتمعون على كلمة التوحيد، ويؤمّهم إمام واحد في صلاة واحدة. وهذا مشهد يعيد إلى الذاكرة صورة المجتمع النبوي الأول، حيث:
• صهيب الرومي،
• سلمان الفارسي،
• بلال الحبشي،
• أم أيمن الحبشية،
• زنيرة الرومية.
لم يكن بينهم تفاضل بنسب أو لون أو قبيلة، بل بالتقوى والعمل الصالح.
نداء قرآني ضد العصبية
وقد قال تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: 13].
فلا يجوز أن تتحول القبائل إلى جدران تمنع الزواج المشروع، أو إلى موانع تعطل سنّة المودّة والرحمة التي جعلها الله أساسًا للحياة الزوجية.
هل من مراجعة لواقعنا؟
كم من شابٍ صالحٍ ابتُلي بالاكتئاب أو الفتنة لأنه حُرِم من الزواج الشرعي بسبب “جواز سفره”! وكم من فتاة صالحة طال انتظارها للزوج المناسب، فقط لأن أباها ينتظر “ابن العم”، أو “ابن القبيلة”، ولو تأخر أو لم يأتِ!
فلنراجع أنفسنا، ولنقف عند قول النبي صلى الله عليه وسلم:
«من أتاكم ترضون دينه وخلقه فزوّجوه»، ولننظر إلى ما بعد التحذير:
«إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد عريض»…
فتنة في الدين، وفساد في الأخلاق، وانتكاس في الفطرة، وتضييع لمعاني الأخوة الإسلامية.
كلمة في الختام
إذا كنتَ –أخي الكريم– لا تريد لابنتك أن تتزوج إلا من قبيلتك، أو من بلدك، أو من مدينتك، فكان الأولى بك أن تبقى هناك!
أما وقد جئت بها إلى هذا البلد، وأدخلتها مدارسه، وسمحت لها أن تنفتح على مجتمع متنوع متعدد، وتتعرف على الناس من كل الخلفيات، فاعلم أنك لا تستطيع أن تمنع قلبها من أن يميل إلى من تعرفت إليه في النور، لا في الخفاء، ممن يُرضى دينه وخُلقه.
فلا تجعل من اسم العائلة حاجزًا، ولا من النسب صنمًا، ولا من الوطن سجنًا. دعها تبني بيتها على تقوى الله لا على أوهام العصبيات.










