د. علي شعبان يكتب: المسؤولية المجتمعية من المنظور الإسلامي

لم يكد الرسول صلى الله عليه وسلم يقر قراره في المدينة المنورة حتى وجد نفسه في مجتمع متعدد الأديان والاتجاهات، قلة ممن آمنوا به، وجمع غير قليل من اليهود، وقبائل متناحرة مثل الأوس والخزرج، ونظرة غير واضحة من مجتمع المدينة نحو الوافدين إليهم من مكة وغيرها ممن اتبعوا محمدا عليه الصلاة والسلام.
فتعين على الرسول صلى الله عليه وسلم أن ينظر إلى هذه الأشتات المجتمعات نظرة تفضي بهم إلى خلق روح جديدة تسودها المسؤولية المجتمعية، بحيث يستشعر كل فرد منهم مسؤوليته تجاه الآخرين، فبدأ صلى الله عليه وسلم بالمؤاخاة بين المهاجرين والأنصار، فاتخذ كل من الأنصار له أخا من المهاجرين، ثم أصلح ما بين الأوس والخزرج، فصارت القبيلتان المتناحرتان أخوة تربط بينهم وشائج الدين الجديد الذي ألف بين قلوبهم فأصبحوا بنعمة الله إخوانا تربط بينهم علاقة أقوى من علاقة الدم. ثم نظر إلى مجتمع اليهود غير المطمئنين إلى الوافدين الجدد، فأراد أن يزرع الطمأنينة في قلوبهم، فوضع وثيقة المدينة، وهي أول دستور عرفته البشرية ينص على حقوق أفراد المجتمع، ويضع لها ضوابط من شأنها أن تشيع روح الأمان والاطمئنان بين أفراد المجتمع.
وجاءت الآيات القرآنية توطد أسس المسؤولية المجتمعية بين أفراد المجتمع، فحثتهم على التعاون على البر والتقوى، ونبذ الإثم والعدوان، وأكدت على حق الجار، والصاحب بالجنب، وأوجبت إيتاء الزكاة للفقراء، والمساكين، وأبناء السبيل، والغارمين، والأسرى، وغوث الملهوف، ومساعدة الخادم إن كُلِّف بما لا يطيق، وليس أدل على الحرص على المسؤولية المجتمعية من قوله صلى الله عليه وسلم “ما آمن بي من بات شبعان وجاره جائع إلى جنبه وهو يعلم به”، إذ وضع مراعاة الجار في منزلة الإيمان به.
ولم تقتصر المسؤولية المجتمعية على المسلمين فقط فيما بينهم، فالنصوص التي سقناها كلها وردت على سبيل العموم، ولم تخص المسلمين بهذا الإحساس بالمسؤولية المجتمعية، وليس أدل على ذلك من قوله تعالى “وإن استنصروكم في الدين فعليكم النصر إلا على قوم بينكم وبينهم ميثاق” (الأنفال:72)، إذ وضع الله تعالى احترام الميثاق مع غير المسلمين في درجة أعلى من نصرة المسلمين حتى وإن احتاجوا إليها.







