ثقافة وابداع

د علي المبروك أبو قرين يكتب: العدالة الصحية في العصر الرقمي

مقالات للرأي

الغالبية العظمى من سكان الأرض تتعايش مع الطب الموروث والتقليدي ليس لأنه بديل عن الطب الحديث، بل لأنه جزء من تاريخ الوعي الصحي الإنساني ، ومن الثقافة اليومية والتأقلم مع المرض في البيئات التي لم تصلها ثمار التطور الطبي ، أو لم تستوعبها أنظمتها الصحية أو لم تتوفر لها إمكانياتها الاقتصادية ، وفي ظل التطور المعرفي المتسارع ، سيظل الطب الخوارزمي والرقمي والجينومي والاستباقي والتنبؤي حكرا على أقل من خمس سكان العالم ليس لأن العلم نخبوي بطبيعته ، بل لأن أنظمة العالم صممت بحيث تتقدم المعرفة أسرع من العدالة ، ويتطور الابتكار أسرع من التوزيع وتُراكم التقنية حيث توجد القوة والمال ، وتُحجب حيث يوجد الاحتياج الأكبر ، وهذه ليست مشكلة طب بل مشكلة حوكمة عالمية ، واختلال أولويات وغياب إرادة سياسية وأخلاقية تعتبر الصحة حق إنساني وليس امتياز تقني ، وتضييق الفجوة لا يبدأ من المختبر ولا من الجينوم بل من إعادة تعريف الطب نفسه هل هو سلعة أم منفعة عامة ، وهل المعرفة الطبية ملك خاص أم إرث إنساني مشترك ، وعندما يتحول هذا السؤال إلى سياسة يصبح من الممكن توسيع دائرة الاستفادة ليس عبر نقل أحدث الأجهزة فقط بل عبر تفكيك مركزية المعرفة وإعادة توزيعها بذكاء ، إن العالم اليوم يمتلك ما لم يمتلكه في أي مرحلة سابقة من منصات فضائية عابرة للحدود وشبكات رقمية لحظية وذكاء اصطناعي قادر على الترجمة والتحليل والتعليم والتشخيص الأولي ، وتطبيب عن بعد يتجاوز الجغرافيا ، وهذا يعني أن الفجوة لم تعد فجوة علم بل فجوة تنظيم وإدارة واستثمار في الإنسان ، وأول مفاتيح تضييق الفجوة هو الانتقال من نموذج الطب عالي الكلفة إلى نموذج الطب عالي الأثر ، أي نقل جوهر التكنولوجيا وليس قشرتها ، فليس المطلوب أن تمتلك كل دولة مختبر جينومي متكامل بل أن تمتلك القدرة على الوصول إليه إقليميا ، وأن تُدمج نتائجه في الرعاية الصحية الأولية عبر بروتوكولات مبسطة مدعومة بالذكاء الاصطناعي ، وثاني المفاتيح هو تحويل الذكاء الاصطناعي من أداة نخبوية إلى بنية تحتية عامة مثل الماء والكهرباء ، وذلك عبر منصات تشخيصية مفتوحة المصدر بلغات محلية تدعم القرار الطبي الأولي ، وتساعد الكوادر غير المتخصصة ، وتقلل الاعتماد على الخبرات النادرة المكلفة دون أن تلغي دور الطبيب ، وثالث المفاتيح هو الاستثمار في الإنسان وليس في الجهاز ، فالفجوة الحقيقية ليست في غياب التكنولوجيا بل في غياب الكفاءات القادرة على استخدامها بوعي وأخلاق ، ولهذا فإن التعليم الطبي الرقمي المفتوح والمنصات التدريبية العالمية والشهادات الموثوقة العابرة للحدود المعتمدة عالميا قادرة على خلق قفزات نوعية في الدول محدودة الموارد إذا اقترنت بإرادة إصلاحية ، ورابع المفاتيح هو دمج الطب الاستباقي والتنبؤي في الصحة العامة ، أي استخدام البيانات السكانية والوبائيات والذكاء الاصطناعي للتنبؤ بالأمراض وتوجيه الوقاية والتدخل المبكر بدل انتظار المرض المكلف والمدمر وهذه أقل تكلفة وأوسع أثر وأكثر عدالة ، وخامس المفاتيح هو إعادة توجيه الابتكار ليخدم السياقات الفقيرة وليس نسخ حلول مصممة للأغنياء ، فالابتكار الحقيقي ليس في تعقيد الحل بل في تبسيطه وفي تصميم تقنيات تعمل في بيئات ضعيفة البنية التحتية قليلة الموارد عالية الاحتياج ، أما المنصات الفضائية والإلكترونية والذكاء الاصطناعي فهي الفرصة التاريخية الأكبر لتوسيع دائرة الاستفادة إذا أُخرجت من منطق السوق إلى منطق المنفعة العامة ، وإذا وُضعت تحت أطر أخلاقية وتشريعية تحمي الخصوصية وتضمن العدالة وتمنع الاحتكار ، والفجوة لن تُغلق بنقل التكنولوجيا وحدها بل بإعادة هندسة النظام الصحي العالمي ليكون تعاوني وليس تنافسي وإنساني وغير ربحي واستباقي وليس رد فعل ، وعندما يصبح الذكاء الاصطناعي خادم للصحة العامة وليس حارس لامتياز النخبة ، سيتحول الطب الحديث من أداة تمييز إلى أداة تحرير ، وسيظل التحدي الأكبر ليس هل نستطيع توسيع دائرة الاستفادة ، بل هل نملك الشجاعة الأخلاقية لنفعل ذلك ، لأن العلم قادر والتقنية جاهزة ، لكن العدالة تحتاج قرار ..

زر الذهاب إلى الأعلى