
منذ أن بدأت الشركات الكبرى تعي دورها المجتمعي في منتصف القرن العشرين، ومع نشوء مفهوم “المسؤولية المجتمعية” للتعبير عن التزام المؤسسات، ليس فقط بتحقيق الأرباح، بل بالمساهمة الإيجابية في المجتمع، سواء عبر دعم التعليم، أو الحفاظ على البيئة، أو خلق فرص عمل لائقة. او غيرها من الأنشطة التقليدية المحكومة بحدود نطاقات التأثير المحلية الواضحة المحكومة بالجغرافيا وبمحدودية وسائل الانتقال والاتصال.
لكننا اليوم نعيش في عصر رقمي لا تعترف فيه الحدود بسلطة الجغرافيا. فعلى سبيل المثال يمكن لشركة رقمية ناشئة في دولة ما القدرة على التأثير في ملايين من البشر في كافة بقاع الارض. ومع تنامى وتطور أنظمة الذكاء الاصطناعي يمكن القول بان مركز الثقل قد انتقل من المصانع إلى الخوارزميات، ومن خطوط الإنتاج إلى خطوط الاتصال وكوابل الالياف الضوئية. وهنا يطرح السؤال نفسه بإلحاح: هل ما زال من الممكن الحديث عن “مسؤولية مجتمعية” بالمعنى التقليدي في ظل أنظمة لا تمتلك جسدًا ولا عنوانًا؟ وهل يمكن مساءلة الشبكات الرقمية حين يكون الأذى غير مرئي، ومتكرر، ويصدر عن خوارزمية لا تميز بين القيم والمصالح؟
إن التحول الرقمي الذي اجتاح العالم خلال العقود القليلة الماضية، لم يصب في مصلحة “الإنسان” دائمًا، رغم كل ما جلبه من راحة وسرعة وفعالية. فقد برزت تحديات أخلاقية ضخمة: من تزييف الوعي عبر المحتوى الموجه، إلى تسليع بيانات المستخدمين دون وعيهم، إلى التلاعب في عاداتهم وسلوكهم الاستهلاكي بما يخدم أهدافًا تجارية محضة. وفي خضم هذه الفوضى الرقمية، باتت الحاجة ملحة لإعادة تعريف المسؤولية المجتمعية، ليس فقط من منظور الشركات التقليدية، بل في صميم الشركات الافتراضية الجديدة وكذا أيضا يجب تطوير مفهوم أنشطة الأنشطة المجتمعية لتتخلص من قيد المكان كما سبق الاشارة.
الأمثلة كثيرة ومتعددة ولذلك دعونا نفترض مثالا-مجهلا- لتوضيح الفكرة فلنفترض وجود شركة تقنية عالمية انتشر استخدامها في بلداننا العربية ولكن بدون استراتيجية واضحة للمساهمة في المجتمعات التي تستفيد من أسواقها. شركة تُحَقِّق أرباحًا ضخمة من الإعلانات، والبيانات، وخدمات الدفع وخلافه وذلك دون أن تخصص جزءًا من هذه العوائد لدعم التعليم الرقمي، أو الأمن السيبرانى، أو محو الأمية الرقمية، في البلدان التي تعمل بها.
هذا المثال المتكرر يجعلنا نحتاج الى طرح سؤال جوهري مفاده “هل يمكن – بل هل يجب – أن تمتد المسؤولية المجتمعية إلى الكيانات الرقمية؟” والحقيقة ان الإجابة البديهية والمنطقية هي “نعم يجب على الشركات فعل هذا” وهنا نصل الى السؤال التالي عن “كيف” يمكن لهذه ان يتم في ظل قوانين ما تزال تحتاج الى المزيد من التطوير لتتمكن من اللحاق بتطور التكنولوجيا ومستجدات أنماط ونماذج الاعمال الرقمية وهذا ما يحيلنا الى الأدوات المتاحة حاليا والتي يقودها المجتمع المدني بمؤسساته الجادة وبالفكر والمبادرة من بعض من الشركات الكبير أيضا وهي جهود تسبق القانون في تنظيم العلاقة بين المنصات والمجتمع
هذه القضية لا تحتمل التأجيل. فمن واجب الشركات الرقمية الكبرى – سواء كانت منصات تواصل أو تطبيقات تجارة إلكترونية أو خدمات مالية – أن تعيد تحدد نسب من أرباحها محليًا لتدعيم مشروعات تعليمية أو تنموي يكون اغلب تركيز تلك المشروعات وتلك الأنشطة على العالم الرقمي وتطوير الافراد للتفاعل معه بصورة إيجابية لرفع الوعي والتثقيف والتعلم وإيجاد فرص عمل رقمية أيضا..
وفي الختام اود ان أؤكد على ان إعادة التوازن بين المنفعة الرقمية والمصلحة المجتمعية ليست مهمة سهلة، ولكنها ضرورة لا مفر منها و فرصة كبيرة للشركات و للأفراد لن يحسن استغلالها الا في ظل تعريف و تحديد واضح الفائدة العائدة على كل طرف من الأطراف و تلك جزئية تحتاج الى تفصيل.







