أخبار ومتابعاتثقافة وابداع

د راندا رزق : سلسلة سفينة الوعي … الحلقة الأولى: استشراف المستقبل في رحاب الفكر الإنساني

د خالد غانم

على قدر أهل العزم للدكتور حمد بن عبد العزيز الكواري ليس رواية لما مضى؛ بل دعوة للنظر في مستقبل الثقافة، والكتاب يمثل نموذجًا فريدًا من الأدب الفكري الذي يمزج بين التأمل الذاتي وبين القضايا الكونية الكبرى.
وحلقات هذه السلسلة ليست مجرد عرض لصفحات كتاب، بل هي رحلة تحليلية في عقل دبلوماسي ومثقف استثنائي، آمن بأن الثقافة هي “البوصلة” التي تضبط اتجاهنا في مهب الأزمات العاتية.
وندرك أننا أمام رحلة منظمة تبدأ من الجغرافيا الثقافية (البحر والصحراء) لتنتهي عند استكشاف الجمال العالمي في الأدب والفن.
يوضح المؤلف في مقدمة كتابه أن هذا العمل لم يولد ككتاب تقليدي منذ البداية، بل بدأ كشذرات وتأملات دونها في لحظات صفاء عبر هاتفه الجوال، أو كتعليقات على منصات التواصل الاجتماعي مثل “إنستغرام”.
هذا التحول من “الرقمي العابر” إلى “المطبوع الرصين” يعكس رغبة المؤلف في تحويل ملاحظاته المبعثرة إلى ما أسماه ” على قدر أهل العزم سيرة فكرية”. هي ليست سيرة ذاتية تحكي أحداث حياته الشخصية، بل هي سيرة ترصد تطور أفكاره، ورؤيته لقضايا الثقافة والدبلوماسية والتراث والأدب بصورة متجانسة ومنظمة.
ويطرح الكاتب تساؤلات عميقة حول مسيرة التقدم والحرية، مشيرًا إلى أن هذه المسيرة لا تخلو من “مفارقات” أو تراجع أحياناً نحو “أشكال بدائية من القهر والتخلف”.
ويستخدم الكاتب استعارات بليغة لإيصال فكرته، منها:
* استعارة السفينة والناجين: يشير إلى قصة سيدنا نوح عليه السلام كرمز إنساني مشترك في الوجدان البشري، حيث تمثل السفينة وسيلة لإنقاذ “العادلين” والحفاظ على “بذرة الحياة” وسط طوفان الدمار.
* البوصلة الأخلاقية: يرى أن القيم العليا والمبادئ الإنسانية هي البوصلة التي يجب أن تضبط هدف الإنسان في مواجهة “أمواج الأزمات المتلاطمة”.
فصول الكتاب:
ينقسم الكتاب إلى تسعة فصول وبالجملة فهذا الكتاب دعوة للتأمل في “النظام والانسجام” الذي يمكن أن ينشأ من فوضى الأفكار اليومية، إنه يقدم رؤية متوازنة تحاول التمسك بالقيم الأخلاقية والجمالية كطوق نجاة في عالم متسارع، مؤكداً أن الثقافة ليست مجرد ترف، بل هي “رهان” وجودي وبوصلة لا غنى عنها.
يقدم المؤلف رؤية فلسفية عميقة تربط بين المسؤولية الاجتماعية للأفراد وبين المصير الجماعي للبشرية، مستخدماً رموزاً دينية وتاريخية لصياغة مفهوم “التقدم الحقيقي”.
تعثر بغلة في العراق والطريق غلى المسئولية المجتمعية
يبدأ الكاتب باستحضار مقولة تاريخية شهيرة لأحد كبار القادة (عمر بن الخطاب رضي الله عنه) حول “تعثر بغلة في العراق”. يستخدم الكاتب هذا النص ليؤكد أن:
* المسؤولية الاجتماعية ليست مجرد التزام قانوني، بل هي “مسؤولية أخلاقية مآتاها نسيج ثقافي مصنوع من القيم العليا”.
* الهدف الأسمى لهذه المسؤولية هو تحقيق “سعادة الكائن البشري”.
* البوصلة الأخلاقية هي الأداة التي “تضبط الهدف وإن بشكل مجمل رغم الأمواج المتلاطمة والأعاصير العاتية”.
وينتقل الكاتب إلى تحليل استعارة “السفينة”، مشيراً إلى أنها ليست مجرد صورة عابرة، بل هي رمز متجذر في الوجدان الإنساني:
* قصة الطوفان: يشير إلى قصة سيدنا نوح عليه السلام بوصفها “من القصص المشتركة في المتخيل البشري” والمستقرة في جل الثقافات الكبرى.
* وظيفة السفينة: يرى المؤلف أن السفينة صُنعت لإنقاذ “العادلين” والحفاظ على “بذرة الحياة” من دمار الطوفان الجارف.
* الوحدة الإنسانية: يؤكد أن السفينة جمعت أزواجاً من كل الكائنات (بشراً وحيواناً) ليتعايشوا مشتركين رغم الخطر المحيق بهم.
مسيرة مهنية
ويكشف المؤلف أن مسيرته المهنية لم تكن مجرد وظائف إدارية، بل كانت “نبراساً” لفكره الثقافي، فمن خلال عمله كـ:
* سفير في ريعان شبابه: في بيروت ودمشق، ثم باريس واشنطن، وصولاً إلى دول في أمريكا الجنوبية.
* مندوب في المنظمات الدولية: مثل “اليونسكو” والأمم المتحدة في نيويورك.
حيث استطاع أن يدمج بين العمل السياسي والاهتمام بالثقافة وقضاياها، وهو ما يظهر جلياً في توليه حقيبة وزارة الثقافة والإعلام ثم وزارة الثقافة والفنون والتراث في قطر لفترات ممتدة.
ويؤكد الكاتب أن ما يطرحه ليس مجرد “حكايات شخصية حميمية” للاستمتاع بالحكي، بل هو حصاد:
* عقود من الخبرة في تناول قضايا الثقافة، والتربية، والإعلام، والدبلوماسية.
* رغبة في مشاركة القارئ متعة التفكير وفتح سبل جديدة أمامه ليتدبر ما يُطرح من أفكار.

د راندا رزق : سلسلة سفينة الوعي … الحلقة الأولى: استشراف المستقبل في رحاب الفكر الإنساني

والخلاصة:
يعتبر الكتاب دعوة صريحة للعودة إلى القيم الأخلاقية كمعيار أساسي للتقدم، حيث يرى الكاتب أن النجاة الجماعية لا تتحقق إلا بالعدالة والمسؤولية المشتركة، تماماً كما فعل ركاب “السفينة” في مواجهة الطوفان، وهو دعوة للنظر في المستقبل؛ حيث يوضح صراحة أنه لم يكتب الكتاب ليروي ما مضى وانقضى، بل هو “دعوة إلى النظر في مستقبل الثقافة” في رحاب الفكر الإنساني الواسع.
وفي الختام …. نلتقي في الحلقة القادمة لنكمل رحلتنا في “سفينة الوعي”.

 

زر الذهاب إلى الأعلى