إن الحوار الوطنى الذى يرعاه الرئيس عبدالفتاح السيسى، يُعد بمثابة عقد جديد يكتبه كل المصريين على اختلاف أطيافهم وتياراتهم السياسية والفكرية والاجتماعية، حيث تشهد طاولة الحوار مناقشات ثرية حول عدد من القضايا والملفات ذات الطابع الإنسانى، والتى على رأسها ملف «الغارمات»، بعد أن أسفرت الجهود المبذولة عن إدراج هذا الملف ضمن أعمال وصلاحيات لجنة العفو الرئاسى، فضلا عن تعزيز الدمج المجتمعى للغارمين والغارمات وضمان عودتهم لحياتهم الطبيعية.
وقبل إطلاق مبادرة «مصر بلا غارمات»، بدأت الدولة خلال هذه السنوات على إلقاء الضوء على قضية الغارمات، بداية من رصد جذور الأزمة وصولا إلى طرح الحلول، مرورا بتسليط الضوء على بعض القصص المؤثرة للغارمات والتى كانت تُظهر حجم المشكلة التى نواجهها ومدى تأثيراتها الاقتصادية والاجتماعية، وأتذكر منها قصة الحاجة عزيزة كاظم كيلانى، فقد دفعها استعداد ابنتها التى لا تعمل رغم حصولها على دبلوم فى التجارة، للزواج مع مرض زوجها، إلى الاقتراض من أكثر من جهة، سواء جمعيات أهلية أو أفرادا، إلى أن اقتربت من أسوار السجن نتيجة لفشلها فى دفع ثمن غسالة كهربائية لا يصل ثمنها لألف جنيه!، وكذلك قصة الحاجة رتيبة عيسى عريان، والتى سُجنت وعمرها يقترب من السبعين عاما، كما سُجن أبناؤها وبناتها الذين لعبوا دوراً كضامن لها، فى قضايا شرائها لمستلزمات الزواج لابنتها، فقط لأنها قامت بتوقيع إيصالات أمانة على بياض لإحدى الشركات فتحولت حياتها وحياة أبنائها جميعا لمأساة قبل أن يصدر لها عفو رئاسى، ولكنها تحولت لعلامة خطر لفتت الأنظار لهذه القضية الشائكة.
فى عام 2014 اكدت أن حوالى 25 فى المائة من السيدات القابعات خلف جدران السجون من الغارمات، وكانت وقتها أو قبل ذلك ببضع سنوات على وجه الدقة قضية الغارمات هى القضية المركزية التى تتصدر البرامج والأنشطة للجمعيات ومؤسسات المجتمع المدنى التى شرفت بالإشراف عليها، كما قمنا بجهود فى مؤسسة حياة للتنمية المستدامة بشأن الغارمات، حينما بدأنا العمل كمؤسسة فى مشروع دعم ومساندة هؤلاء السيدات فى شهر رمضان عام 2013، من خلال فكرة بسيطة ترتكز على توظيف رغبة البعض فى إخراج أموال الزكاة لدعم فئات معدمة وتستحق المساعدة، لمساندة هؤلاء النساء المظلومات. وبالفعل بدأنا فى البحث عن بعض الحالات أو استقبالها، من عدة مصادر، فبعض الحالات كانت تأتى إلينا والبعض الآخر كانت ترشحه بعض الحالات نفسها لنا، أو يصلنا كمؤسسة من خلال رسالة أو فاكس أو من بعض الجهات والأفراد، هذا بجانب ما تمدنا به وزارة الداخلية فى بعض الأحيان من حالات، وكنا نبدأ فى الاستعلام عن الحالة ونتعرف على قيمة الدين وأسماء الدائنين، ونبدأ أيضا فى الاتصال بهم، ونجرى بحثاً شاملاً اجتماعياً وقانونياً عن الأمر،بعدها نبدأ مرحلة التفاوض مع الدائنين تمهيدا لصرف المبلغ المطلوب والمتفق عليه مع الدائن ثم إجراء مصالحة، وقد كنا فى البداية نعنى بمن هن خارج قضبان السجن ثم تطور الأمر بالتعاون مع وزارة الداخلية لدعم ومساندة من صدرت ضدهن أحكام بالفعل وتم سجنهن، واستطعنا خلال هذه الفترة فى مساعدة ما يقرب من 100 سيدة، سواء نفذت الأحكام الصادرة ضدهن أو صدرت ولم تنفذ وقتها.
وحينما شرفت باختيارى عضوا بالمجلس التخصصى الرئاسى لتنمية المجتمع فى 2015، لامست خلال اجتماعاتنا مع الرئيس السيسى كم يولى الرئيس قضية الغارمات من اهتمام، وتحدثت كثيرا عن أن الرئيس ينظر للقضية نظرة بعيدة والتى مثلت النواة الأساسية لتشكيل ملامح مبادرة «مصر بلا غارمات»والتى شرفت بإعداد بنودها وتقديم دراسة لآثارها الاجتماعية والاقتصادية والحلول التى تساهم فى إنهاء القضية من جذورها.
كما تطرح المبادرة مقترحات منطقية تتعلق بالإصلاح التشريعى، كإيقاف العمل بالمادة 341 وتفعيل المادة 340 من قانون العقوبات، والعمل على تفعيل المادة 398، وكذلك المادة 15 من اللائحة التنفيذية مع تفعيل قانون حماية المستهلك بالمادتين 5 و11 والمتعلق بالضوابط الحاكمة بمعاملة الفاتورة، وإنشاء مكتب مساندة قانونية للغارمات بالمحاكم أسوة بمحاكم الأسرة، وتخصيص دائرة بالمحاكم لإيصالات الأمانة الخاصة بالبيع بالتقسيط.
فى اعتقادى أن سجن الزوج أو الزوجة من الغارمين والغارمات هو عقاب للمجتمع والأسرة ولا يحل المشكلة، وذكرت من قبل أن المبادرة الرئاسية «مصر بلا غارمات» تعاونت مع جهاز حماية المستهلك لمواجهة الاتجار بعوز السيدات، وأن استغلال التجار والتلاعب بالسيدات هو جزء من الاتجار بالبشر والجشع والاتجار بعوز السيدات، وهو دفع نحو تطبيق منظور الحماية الاجتماعية والتمكين الاقتصادى، وأن إنشاء اللجنة الوطنية للغارمين برئاسة وزارة التضامن الاجتماعى ومشاركة وزارات أخرى ومؤسسات دينية ومجتمع مدنى، لتكون هناك رؤية مشتركة، كان أهمها عدم دخول الغارمة إلى السجن.
الدراما الاجتماعية كانت أيضا أحد الحلول التى تم طرحها فى قضية الغارمات من خلال التعاون مع الدكتور محمد رفعت، الأستاذ بمعهد الفنون المسرحية، والمؤلف المسرحى محمد فضل، من أجل إعداد عرض مسرحى «دراما اجتماعية» تدور أحداثها من خلال دفتر الأحوال الشخصية الخاص بإحدى المبادرات التى قامت بها الدولة، حيث يبدأ العرض الذى حمل اسم «دفتر الأحوال الشخصية» فى الحفل السنوى للمبادرة عن طريق إحدى المشرفات التى تعرض العديد من القضايا والسجلات للحالات التى دونت بالدفتر لهذا العام، وعن طريق التكنيك الخاص بالإخراج تتجسد أمامنا العديد من القضايا المتعددة والتى تدخلت المبادرة فى حلها، وجميع أحداث هذه القصص حول الغارمات، حيث نفرض بداية المشكلة التى أدت إلى الاستدانة، وتدخل المبادرة لدفع الديون عن الغارمات، وفى بعض القصص تدخل المبادرة لتجفيف منابع المشكلة قبل حدوثها، ومثلت هذه المسرحية تجربة جديدة من نوعها فى مصر، تنتمى لما يعرف بمسرح السجون، وخاصة أن العرض شاركت فيه اثنتان من الحالات الحقيقية بالفعل كراويات لحكاياتهن، وشارك فى العرض مجموعة من طلاب المعهد العالى للفنون المسرحية، وهم محمود عبدالرازق، مختار رجب، نشوى على، أحمد مختار، مريم صبرى، نادر الجوهرى، نهال المهدى، عبدالله صابر، رحمة أحمد، سماسم جامع، كريم أدريانو.