
في عالمٍ كان يُفترض أن تحكمه قواعد القانون الدولي ومبادئ العدالة الجماعية، تبدو العلاقات الدولية اليوم أقرب إلى منطق “شريعة الغاب”، حيث تسود القوة على الحق، وتُفرض الإرادة السياسية للدول الكبرى بوصفها قانونًا غير مكتوب، بينما تُهمَّش المواثيق الدولية وتُفرَّغ المنظمات الأممية من مضمونها.
لم يعد ميزان العلاقات الدولية قائمًا على التوازن أو الشراكة، بل على من يملك أدوات البطش العسكري والقهر والاقتصادي والإعلامي، وهناك من يستطيع الإفلات من المحاسبة مهما بلغت فداحة جرائمه كيف ذلك دعونا نناقش المسألة بمزيد من التركيز …
القواعد الحاكمة لعالم غير متوازن
يحكم النظام الدولي الراهن عدد من القواعد غير المعلنة، لكنها فاعلة بقوة:
🔸 أول هذه القواعد هو الانتقائية في تطبيق القانون الدولي؛ فالقانون يُستدعى حين يخدم مصالح القوى الكبرى، ويُعطَّل أو يُؤوَّل حين يتعارض معها والجرائم ذاتها قد تُدان في مكان، وتُبرَّر في مكان آخر، بحسب هوية الفاعل وموقعه في هرم القوة العالمية.
🔸القاعدة الثانية هي تفوق منطق القوة العسكرية على منطق التسوية السياسية. فبدل أن تكون الدبلوماسية وسيلة لتفادي النزاعات، أصبحت في كثير من الأحيان غطاءً لإدارتها أو إطالتها، بينما يُستخدم السلاح كأداة ضغط أساسية لفرض الوقائع على الأرض.
🔸أما القاعدة الثالثة فتتمثل في هيمنة المصالح الاقتصادية والتحالفات المغلقة، حيث تُبنى العلاقات الدولية على أساس الربح والخسارة، لا على أساس القيم المشتركة أو المسؤولية الإنسانية.
النتيجة المنطقية لهذا هي ضعف المنظمات الدولية وتآكل لشرعيتها
يُفترض أن تمثل المنظمات الدولية، وفي مقدمتها الأمم المتحدة، الضامن الجماعي للسلم والأمن الدوليين. غير أن الواقع يكشف عن ضعف بنيوي عميق، خاصة في ظل هيمنة حق النقض (الفيتو) وتحول مجلس الأمن إلى ساحة صراع سياسي لا أداة إنصاف.
هذا الضعف لا يقتصر على العجز عن منع الحروب، بل يمتد إلى الفشل في حماية المدنيين، ومحاسبة مرتكبي الجرائم الجسيمة، وتطبيق القرارات الدولية بعد صدورها.
لقد أدى هذا التآكل في الشرعية إلى فقدان الثقة في النظام الدولي، خاصة لدى شعوب الجنوب ، التي باتت ترى في المؤسسات الدولية أدوات انتقائية لا تعكس ميزان العدالة، بل ميزان القوة.
وغزة… المثال الصارخ للقهر الإنساني
حيث تُمثل الحرب على غزة نموذجًا فاضحًا لسياسة شريعة الغاب في أوضح صورها من انتهاك كل الأعراف والتقاليد الإنسانية، وضرب قواعد القانون الدولي الإنساني عرض الحائط، و استهداف المدنيين والبنى التحتية، إلى الحصار والتجويع والتهجير القسري، دون محاسبة حقيقية أو ردع فعلي للجناة
الأكثر خطورة ليس فقط حجم المأساة الإنسانية، بل الصمت الدولي أو التبرير العلني لهذه الجرائم، وكأن حياة الإنسان أصبحت رهينة بلا ثمن !
لقد كشفت غزة عن ازدواجية المعايير الأخلاقية في النظام العالمي، حيث تُم استباحة القيم التي طالما رُفعت كشعارات كونية: حقوق الإنسان، حماية المدنيين، والعدالة الدولية.
من هنا انعكست سياسة شريعة الغاب على تصور مستقبل العالم بمعنى إن استمرار هذا النهج ينذر بعالم أكثر اضطرابًا وخطورة.
حين يغيب العدل، وتتآكل شرعية النظام الدولي، وحين تُكافأ القوة الغاشمة ، يصبح العنف خيارًا مغريًا لفاعلين آخرين.
كما يؤدي هذا الوضع إلى تعميق الانقسامات بين الشمال والجنوب، ويُغذي مشاعر الغضب واللاعدالة، ويفتح الباب أمام موجات جديدة من الصراعات وعدم الاستقرار.
لكن ماهو الشكل الأمثل لعلاقات دولية متوازنة؟
رغم قتامة المشهد، لا يزال من الممكن التفكير في نموذج أكثر توازنًا للعلاقات الدولية، يقوم على عدة ركائز أساسية :
🔸 أولها إعادة الاعتبار للقانون الدولي بوصفه مرجعية ملزمة للجميع دون استثناء، مع إصلاح آليات إنفاذه بما يضمن عدم الإفلات من العقاب.
🔸الركيزة الثانية هي إصلاح المنظمات الدولية، خاصة مجلس الأمن، بما يعكس التعددية الدولية ويحدّ من احتكار القرار العالمي فلا يمكن لعالم متعدد الأقطاب أن يُدار بعقلية ما بعد الحرب العالمية الثانية !
🔸أما الركيزة الثالثة فتتمثل في تعزيز الدبلوماسية الوقائية والحوار المتكافئ، والانتقال من منطق الهيمنة إلى منطق الشراكة، حيث تُبنى العلاقات الدولية على المصالح المتبادلة والاحترام المتكافئ، لا على الإملاء والوصاية
🔸وأخيرًا، لا بد من إعادة الإنسان إلى محاور السياسات الدولية، بحيث تصبح كرامته وأمنه وحقوقه معيارًا حقيقيًا لصناعة القرار، لا مجرد شعارات تُستحضر عند الحاجة.
إن سياسة شريعة الغاب في العلاقات الدولية ليست قدرًا محتومًا، لكنها نتيجة لاختلال ميزان القوة وغياب الإرادة السياسية للإصلاح.
وما لم يدرك العالم أن استمرار هذا النهج يهدد الجميع دون استثناء، ستبقى المآسي، مثل مأساة غزة، شاهدًا حيًا على فشل النظام الدولي في أداء أبسط واجباته الأخلاقية والإنسانية.
ويبدأ الطريق إلى عالم أكثر عدلًا بالاعتراف بهذا الخلل، والعمل الجاد على بناء نظام دولي متوازن، تُحترم فيه القواعد، ويُصان فيه الإنسان، أيًا كان موقعه على هذا الكوكب !







