مقالات الرأى

د على المبروك أبو قرين يكتب: الطب رسالة بين العلم والضمير

مقالات للرأي

عُرف الطب منذ فجر التاريخ بوصفه أعلى تجليات الإنسانية وأصدق تعبير عن رحمة العقل وحكمة المعرفة. لم يكن الطب يومًا مهنة عادية بل رسالة كبرى حملها الإنسان حين أدرك أن الألم لا يجب أن يُترك وحيدًا، وأن المرض ليس قدَرًا يُستسلم له، وأن حماية الحياة فعل أخلاقي قبل أن يكون فعلًا علميًا. الطب ولد ليخفف الآلام ويزيل الأوجاع ويداوي الأسقام ويضمد الجراح ويكافح الأمراض ويحمي المجتمعات من التهديدات الصحية والأوبئة والجوائح، وكان عبر التاريخ درعًا حضاريًا وقف في وجه الفناء الجماعي. ومنذ أن واجهت البشرية الطاعون والحصبة والجدري والسل والتيفوئيد والكوليرا وشلل الأطفال وغيرها من الأوبئة القاتلة، كان الطب في الصف الأول يتعثر أحيانًا، ويتعلم دائمًا لكنه لا يتخلى عن جوهره. ومع اكتشاف المضادات الحيوية واللقاحات والأدوية، تحسنت صحة الشعوب وارتفع متوسط العمر وتغيرت ملامح الحياة الإنسانية. ولم يكن ذلك انتصارًا للعلم وحده بل انتصارًا لفكرة أن الإنسان يستحق الحياة والعافية. واليوم بلغ الطب ما لم يكن يُتخيل. طب استباقي يتنبأ بالمرض قبل ظهوره، وطب وقائي يسبق الخطر، وطب جينومي يقرأ الشفرة الوراثية، وطب أنماطي وبيئي يربط الجسد بالمحيط، وطب تقني وروبوتي ودقيق، وطب إلكتروني ملاصق للإنسان في ساعة وهاتف وشريحة، وطب افتراضي يتداخل مع النفس والنبض والنظرة والحس والشعور والحلم والتفكير، يرافق الإنسان قبل المرض، ويصاحبه أثناء التدخل، ويتبعه بعد العلاج للتصويب والتحسين. لم يعد الطب حدثًا منفصلًا عن الحياة، بل أصبح جزءًا منها يراقبها ويتفاعل معها ويؤثر فيها. لكن هذا التقدم الهائل بكل ما يحمله من وعد يحمل في داخله خطرًا إن لم يُضبط بالقيم. لأن الإنسانية والتاريخ والعقل والحكمة علمتنا أن الطب ليس تقنية فقط بل منظومة أخلاق. الطب يعني الصحة والعافية والرفاه لكنه يعني أيضًا الحق والعدالة والكرامة والكبرياء الإنساني، والخصوصية والسرية والأمان. ويعني أن الجسد ليس سلعة ولا المريض رقمًا ولا الألم فرصة ربح ولا المرض وسيلة استغلال. والبشرية لم تتقدم في الطب وحده بل اجتهدت في الفلسفة والأخلاق والقانون والثقافة لتضع للطب حدودًا تحمي الإنسان من انحراف العلم. ومن أبقراط إلى ابن سينا ومن الحضارات القديمة إلى معايير الجودة الحديثة وضوابط دونابيديان والتشريعات الصارمة، كان الوعي حاضرًا بأن الخطر الحقيقي ليس في المرض وحده بل فيمن يتعامل معه بلا ضمير. الأمراض تهدد صحة الناس نعم لكنها ليست أخطر ما يهددهم. الأخطر هو أسبابها ومن يصنعها ومن يهيئ بيئتها ومن يساعد على انتشارها وديمومتها واستفحالها، ومن يستغلها ليستنزف الناس ويبتز آلامهم. والأخطر هو الإهمال والتأخير والتقاعص والتهاون والغش والجهل وقلة الخبرة ونقص الكفاءة وانعدام المهارة والجرأة القاتلة التي تُمارس باسم الطب والصحة. هذه ليست أخطاء مهنية فقط بل جرائم أخلاقية كبرى، ضحيتها صحة وحياة البشر. ومع صعود الطب الخوارزمي الحديث، والذكاء الاصطناعي، واتخاذ القرار الطبي المدعوم بالبيانات، تتغير مفاهيم العالم مرة أخرى. ثورة علمية هائلة تفتح آفاقًا غير مسبوقة، لكنها في الوقت ذاته تفرض مسؤولية مضاعفة. كلما زادت قدرة الطب زادت الحاجة إلى تعزيز القيم الإنسانية وليس تهميشها. وكلما أصبحت القرارات أدق وأسرع وجب أن تكون العدالة أوسع والشفافية أوضح والصرامة الأخلاقية أشد. إن الطب الحديث لا يُعفى من القيم بل يُطالب بها أكثر من أي وقت مضى. ولا يُبرر له النجاح التقني أن يتجاوز الكرامة ولا تبرر له السرعة أن يتجاهل الإنسان ولا تبرر له الكفاءة أن يُسقط الرحمة. لأن الطب مهما بلغ من تطور إن فقد إنسانيته فقد روحه، وتحول من رسالة نبيلة إلى أداة باردة. الإنسان ليس مجموعة بيانات فقط ولا شيفرة جينية ولا نمطا إحصائيًا. هو كيان متكامل له جسد ونفس وذاكرة وخوف وأمل. والطب الذي لا يرى الإنسان كاملًا لا يعالجه كاملًا. لذلك فإن أعظم تحديات الطب المعاصر ليست تقنية بل أخلاقية حضارية كيف نحافظ على جوهر الطب الإنساني في زمن الخوارزميات وكيف نجعل التقدم العلمي في خدمة الإنسان لا العكس، وكيف نضمن أن يبقى الطب حارس الحياة لا متحكمًا فيها. مهما تطور الطب ومهما تنوعت الخدمات الصحية سيظل ملتزمًا بالنواميس الإنسانية التي رافقته منذ الخلق. لأن الطب بلا أخلاق خطر وبلا عدالة ظلم وبلا حكمة تهور. والطب الحقيقي في جوهره ليس مجرد علاج مرض بل صون إنسان ..
د.علي المبروك أبوقرين

زر الذهاب إلى الأعلى