الإعلامي إبراهيم الصياد يكتب : مأزق الإعلام المدمج في الوصول إلى كل الجمهور!
مقالات للرأي

“عندما تكون سرعات الانترنت بطيئة لا يمكن أن نتحدث عن التحول الرقمي وعندما يكون لدينا مستويات تعليمية وثقافية متدنية لا نستطيع الحديث عن الإعلام المدمج إلا بوجود بنية تحتية وتعليمية قادرة على استيعاب أي تطور وحتى يتكيف المواطن البسيط مع متغيرات الإعلام غير التقليدي ” ومن هنا نقول
اذا كان الإعلام المدمج، Integrated Media بوصفه مزيجًا بين الإعلام التقليدي والرقمي، أصبح العنوان الأبرز لتحولات المشهد الإعلامي على مستوى العالم لأنه يجمع بين أمرين :
🔸مصداقية وتقاليد وسائل الاعلام الكلاسيكية، وسرعة وانتشار المنصات الرقمية
🔸امتلاكه القدرة على التفاعل الفوري مع الجمهور.
“غير أنه على الرغم من تطوره، لم يصل بعد إلى جميع فئات الجمهور بشكل متكافئ وهنا تأتي الإشكالية” إن الاعلام المدمج يواجه تحديات حقيقية في الوصول إلى حالة الانتشار الجمعي وجذب الانتباه وتحقيق التفاعل المستدام مع عموم الجمهور !
وتشير البيانات الحديثة إلى أن أنماط استهلاك الأخبار تشهد تحولات متسارعة، لكنها غير متجانسة بعد أن انخفض اعتماد الجمهور على الصحف الورقية مصدرا رئيسيا للأخبار في العالم إلى نحو 22%، مقارنة بـ 32% عام 2018 ما يعكس تراجعًا واضحًا في حضور الصحافة التقليدية ومن المتوقع انخفاض هذه النسبة خلال هذا العام
في المقابل، يحصل نحو 20% من الجمهور الأمريكي مثلا على أخباره بانتظام من المؤثرين الرقميين،
The Influencers
وهو مؤشر على صعود قنوات جديدة خارج الأطر الإعلامية التقليدية !
الأهم من ذلك أن 36% من جيل الألفية الثالثة عالميًا يثقون في توصيات المؤثرين أكثر من الرسائل الإعلامية التقليدية، وهو ما يسلّط الضوء على تحوّل الثقة من المؤسسة إلى الفرد، ومن الخطاب الرسمي إلى السرد الشخصي وهو ما يؤثر على مهنية الرسالة الإعلامية من حيث الدقة والمصداقية ويخلق بيئة لتنامي الشائعات والاخبار المضللة …
ويمكن القول :
يتباين تفضيل الوسائل الإعلامية بوضوح بين 3 من الفئات العمرية: 🔸الأجيال الشابة، لا سيما بين 18 و35 عامًا، تعتمد أساسًا على الإنترنت ومنصات التواصل الاجتماعي ومحتوى الفيديو القصير للحصول على الأخبار والمعلومات.
🔸 بينما تظل الفئات الأكبر سنًا أكثر ارتباطًا بالإعلام التقليدي مثل التلفزيون والراديو والصحف، التي تمنحها إحساسًا أعلى بالثبات والمصداقية واعرف أشخاصا مازالوا يحرصون كل صباح على شراء الجريدة الورقية !
🔸أما الجمهور العام، يقف في منطقة وسطى حيث يتجه بقوة نحو الوسائل الرقمية والتفاعلية، على هاتفه الذكي أو حاسوبه النقال لكنه لا يقطع صلته بالكامل بالإعلام التقليدي، خاصة في وقت القضايا الكبرى والأحداث الطارئة Breaking News حيث يبحث عن تطوراتها من القنوات الفضائية !
وبالرغم من اتساع نطاق الإعلام المدمج، لا تزال هناك عوائق أساسية تحدّ من وصوله المتكافئ :
🔸أول هذه العوائق التباين الرقمي، حيث تستمر الفجوة في الوصول إلى الإنترنت والتقنيات الحديثة بين المناطق الحضرية والريفية، وكذلك بين الفئات الاقتصادية المختلفة وحسب المستويات التعليمية ونلاحظ أن الريف والبيئات الفقيرة والتعليم المحدود مازال إعلامهم الراديو والتليفزيون والصحف !
🔸التحدي الثاني كمي ويتمثل في التشتت والمنافسة الشديدة و يزدحم
المشهد الإعلامي اليوم بالمنصات والمصادر، ما يجعل جذب انتباه الجمهور مهمة أكثر صعوبة عن أي وقت مضى.
🔸 يضاف إلى ذلك أزمة المصداقية، عندما يجد الجمهور صعوبة متزايدة في التمييز بين المعلومات الدقيقة والمحتوى المضلل أو الزائف Fake News
🔸أما المؤسسات الإعلامية التقليدية، فتواجه تحديًا مضاعفًا يتمثل في تكلفة وتَعقيد دمج التقنيات الرقمية الحديثة، سواء من حيث البنية التحتية أو التدريب أو إعادة هيكلة غرف الأخبار لتحويلها من تقليدية إلى رقمية !
وتلعب سرعات الانترنت دورا مهما في الاهتمام بالتحول الرقمي وتبقى السرعات المنخفضة حجر عثرة أمام الاستخدام الأمثل لشبكة المعلومات الدولية خاصة في الدول الفقيرة والنامية !
ولمواجهة هذه التحديات، تبرز مجموعة من الاستراتيجيات التي يمكن أن تعزز فاعلية الإعلام المدمج في مقدمتها:
🔸 التخصيص والاستهداف الذكي، من خلال توظيف تحليلات البيانات والذكاء الاصطناعي لفهم اهتمامات الجمهور وتقديم محتوى مصمم خصيصًا لكل شريحة، عبر المنصات التي تفضّلها.
🔸 تمثل التفاعلية عنصرًا حاسمًا في جذب الجمهور، عبر البث المباشر، والتفاعل الفوري مع التعليقات، وإشراك المستخدمين في صناعة المحتوى من خلال الاستطلاعات والتصويت والمحتوى الذي ينتجه الجمهور نفسه.
ويمكن للوسائط المتقدمة( مثل الواقع المعزز و الافتراضي )، أن تفتح آفاقًا جديدة لتجارب إعلامية أكثر غنى وتأثيرًا.
🔸التعاون مع المؤثرين الرقميين أصبح بدوره خيارًا استراتيجيًا لا غنى عنه، شرط أن يتم ضمن ضوابط مهنية واضحة، تضمن تبسيط المحتوى دون الإخلال بدقته وهذا يتطلب صدور تشريعات إعلامية منظمة للاستخدام وضامنة لحرية التعبير!
🔸 أن التكامل بين المنصات، عبر الترويج المتبادل بين الإعلام التقليدي والرقمي، يسهم في توسيع قاعدة الوصول وتعظيم الأثر.
يبقى الالتزام بالجودة والمصداقية هو الرهان الحقيقي لنجاح الإعلام المدمج وتعتبر قيم الدقة، والتحقق من المعلومات، والشفافية في عرض المصادر وتصحيح الأخطاء، عناصر أساسية لبناء الثقة على المدى الطويل كما أن تعزيز التربية الإعلامية Media Literacy لدى الجمهور يساهم في تمكينه من تقييم المحتوى نقديًا، ويحد من تأثير التضليل !
في المحصلة النهائية ، لا يكفي دمج الوسائط وحده لتحقيق التأثير، بل يتطلب الأمر رؤية واضحة ، واستراتيجيات مبتكرة، والتزامًا مهنيًا وترويجا ذكيا يعيد انتاج العلاقة بين الإعلام وجمهوره في عصر شديد التنافس والتغير !
في هذا الإطار اقترح على متخذ القرار تنظيم مؤتمر علمي يشارك فيه مراكز الخبرة والبحث الأكاديمي تقدم فيه دراسات معمقة عن “سبل تسويق الإعلام المدمج واعداد المشاهد أو المستخدم للتكيف مع متطلبات العصر الرقمي!”







