مقالات الرأى

د خالد غانم يكتب: التسليم بين قضاء الله وإرادة الإنسان

مقالات للرأي

الصمود الدائم والعطاء المستمر من طبيعة المرء ـ الصالح صاحب الفطرة الخيرة والسلوك المستقيم ـ الذي يستطيع من خلال تدينه الصحيح، ونظرته المنيرة الثاقبة، وتوجهاته المخلصة، البقاء أمام العوائق المناهضة له، والصمود حيالها، ويجعله قادرا على حل كل مشكلة أو عويصة تعتري الإنسانية، أو الصبر والرضا والتسليم، وميدان العمل في هذا الجانب رحب وفسيح.
ومن ثم فالمؤمن يدور مع معكرات صفو الحياة ومع العطاء والمنع بعين الشكر وعين الصبر، يشكر على النعمة، ويصبر ويسلم ويرضى على قضاء الله المؤلم والمحزن، يقول الله تعالى:( مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ)، ويقول سبحانه:( لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ).

فيتقلب الإنسان في هذه الحياة بين صحة ومرض، وفقر وغنى، واجتماع وافتراق.
ولله در الشاعر:
ثمانيةٌ تجري على الناس كُلِّهم ولا بد للإنسان يلقى الثمانية.
سرور وحزن واجتماع وفرقة وعسر ويسر ثم سقم وعافية.

ومن ثم ، فالدين الإلهي لا يعتبر الإيمان بالقضاء والقدر من الأسباب المعوِّقة لانطلاق الإنسان نحو مستقبل أحسن، بل يقوي هذا التوجه المستقبلي الممزوج بالرضا والطمأنينة، والأمن على الرزق والحياة، وهما ـ أي الرزق والحياة ـ من الدعامات الأساسية للحياة الطيبة.
وليس هذا معارضة للأقدار، ولا إنكارًا لمبدأ الإيمان بالقدر والرضا به؛ إذ الإيمان بالقدر لا يدعو إلى التقاعس عن العبادة وعمل الخير، أو الصبر والاصطبار والرضا والتسليم، بل هو كما قال عبد القادر الجيلاني: “ننازع أقدار الحق بالحق للحق” ، فحين نطالب بالتسليم بالأقدار المحتومة لا يعني ذلك استسلامًا أمام مغيبات مستقبلية، أو تغييبًا للذات وسلبية، إنما هي عملية إيجابية، مع الإيمان بعلم الله السابق، وقدرة الله الشاملة، وكما قال عمر الفاروق ـ رضي الله عنه ـ : ” نفر من قدر الله إلى قدر الله”

بيد أن الإيمان الصحيح بهذه القضايا العقدية ـ وغيرها ـ إنما هو بمثابة قوة دفع قوية، ينبغي أن لا تفتر، وتوجه كامل نحو العمل من أجل المستقبل، وتنظيم دقيق للفكر من أجل التركيز على ما ينفع الإنسان في حاله ومستقبله.
ومن ثمَّ فالمناهج المرتكزة على الوحي الإلهي رسمت للناس حياتهم، وبينت سبل صلاحها في العاجل وفلاحها في الآجل ولهذا ورد عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنّه قال: “إنّ أعلمَ الناسِ باللهِ أرضاهم بقضاء اللهِ عزّ وجل”.

إن الرضا بالقضاء ليس استسلاماً سلبيًا يقدح في إرادة الإنسان، بل هو تسليم لحكمة الله في العطاء والمنع مع الإيمان بأن ما يقدّره هو خير للإنسان، وهذا يجلب له السكينة والطمأنينة، ويفتح عليه أبواب الراحة النفسية والسعادة الإيجابية، ولهذا رُوِيَ عن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أنه قال: ” عَجَبًا لِأَمْرِ الْمُؤْمِنِ، إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ، وَلَيْسَ ذَاكَ لِأَحَدٍ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ، إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْراً لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيْراً لَهُ”.
فوصيتنا التي نلهج بها نحو قلوبنا أن أقدار الله نافذة لا محالة سواء صبر عليها الخلق أم جزعوا، سلموا بها ولها أم لم يسلموا، والمسلم مستسلم لقضاء الله تعالى راض بقضائه وقدره، فكان من العقل والإيمان التخلي بالرضا والتسليم.

زر الذهاب إلى الأعلى