أخبار ومتابعاتمقالات الرأى

د راندا رزق تكتب: لحنٌ على أجنحة الفكر.. حين تصبح الجامعة محرابًا للإبداع

مقالات للرأي

 

هناك لحظات لا تُصنّع، بل تُخلق من غيم ونور؛ لحظات لا نحتاج فيها إلى ارتباك الكلمات لنلمس الفخر، إذ يكفي أن نصغي إلى شجن ساري في لحن أصيل، أو نتأمل وجوهًا يضيئها شغف الاكتشاف، لنشاهد شبابًا يعتلون خشبة المسرح يحملون في حناجرهم وأصابعهم نور مصر القديم وروحها المتجددة.
هكذا انساب الشعور وأنا أتابع مشاركة فرقة جامعة القاهرة للموسيقى في الدورة الرابعة والثلاثين من مهرجان الموسيقى العربية؛ لم تكن مجرد إطلالة فنية في محفل عريق، بل كانت وضاءة إنسانية وثقافية أعادتنا إلى حقيقة غيبتها زحمة الأيام.
إن الفن ليس ترفًا تُزيَّن به الأمور الثانوية، بل هو العمود الفقري في بناء الوجدان وتشكيل الهوية. فالأمم لا تخلد بقوتها المادية وحدها، بل بما تتركه في ذاكرة التاريخ من جمال وفكر وفن وإبداع، ومصر التي علّمت التاريخ أول أسراره، كانت ولا تزال تدرك أن سر خلودها يكمن في قدرتها الفذة على تحويل التراث إلى إبداع حي ينبض في عروق كل جيل.
إن الجامعة حين تفتح ذراعيها للموسيقى، تتجاوز كونها جدرانًا لتلقين العلوم لتصبح محرابًا لصناعة الإنسان المتكامل الذي يفكر ويبدع ويتذوق الجمال. فحين يقف الأستاذ والطالب والمدرب على مسرح واحد، تذوب المسافات والألقاب في إشراقات اللحن، ليصبح الجميع مشتركون في غزْل الجمال ومحو الفوارق، في صورة تجسد أعمق ما ينبغي أن تكون عليه التوأمة بين التعليم والثقافة.
وما أبهى أن يشعر الطالب بأن جامعته لا تكتفي بشحن ذهنه لاجتياز اختبار ينتهي، بل تمنحه أجنحة تثقل موهبته بثقة ويقف ممثلًا لوطنه.
إن حكايات المقامات العربية لا تخطئها أرواحنا؛ فهي تخبئ بين طياتها سِيَر المدن، وذكريات النيل، وأشجان الراحلين.
في هذا المحراب العريق، تصبح الموسيقى امتدادًا أصيلًا لعقل أمتنا ووجدانها؛ فليست المصادفة هي التي جعلت “المعلم الثاني” أبا نصر الفارابي يضع سفره الخالد “كتاب الموسيقى الكبير”، ليرسّخ فيه أن النغم ليس مجرد إطراط للسمع، بل هو هندسة للروح، وروافد علمية صلبة تتآخى فيها الفلسفة مع الجمال والرياضيات. وحين تصدح فرقة جامعة القاهرة اليوم بتلك المقامات، فإنها لا تقدم عرضًا عابرًا، بل تُحيي هذه المدرسة الفكرية والعلمية الراسخة، وتؤكد أن الاحتفاء بالنغم هو في جوهره استئنافٌ لرحلة العقل العربي الذي لم يرَ تعارضًا يومًا بين صرامة العلم ورقة الفن.

وحين نحتفي بها اليوم فإننا لا ننكش الماضي لنغرق في الحنين، بل نبرهن على أن تراثنا ليس قطعًا متحفية جامدة، بل هو نبض يسري في حاضرنا ويضيء مستقبلنا.
من هنا تنبع القوة الناعمة المصرية التي استطاعت عبر عقود أن تستعمر قلوب الملايين بأغنية ساحرة، أو فيلم خالد، أو نص يلامس الشغاف؛ فقد كان الفن دائمًا لغة مصر الأكثر بلاغة ونفوذًا، لأنه يتخطى الحدود ويتحدث مباشرة إلى قلب الإنسان. ومن الإجحاف ألا نتوقف بإجلال أمام من يتعهّدون هذا الغرس بالنماء؛ فللأستاذ الدكتور محمد سامي، رئيس جامعة القاهرة، كل التقدير على دعمه الموصول وثقته بأن تكون الجامعة بيئة حاضنة للجمال والفكر، وللأستاذ الدكتور محمد حسين رفعت، نائب رئيس الجامعة، الثناء على متابعته الدؤوبة وجهوده لتجسيد الرؤى على أرض الواقع، وتحية ملؤها المحبة والاعتزاز للزميلة الدكتورة نوهة السقا وقسم التربية الموسيقية بكلية التربية النوعية، ولجميع الطلاب والفنانين الذين بذلوا ساعات طويلة من العرق والتدريب خلف الكواليس لتخرج هذه اللوحة البديعة إلى النور.
نحن في عالم تتخطفه الضغوط والضوضاء، نحتاج إلى الموسيقى لتهذيب أرواحنا وإعادة توازننا الداخلي أكثر من أي وقت مضى. فالفن الحقيقي لا يخرج لنا مطربين وعازفين فحسب، بل يصقل إنسانًا أكثر وعيًا بالجمال وأكثر قدرة على التعاطف والاحترام. لقد غادرتُ تلك الأمسية العاطرة، لكن أثرها لم يغادر وجداني؛ ظلت هتافات الشغف وروح الانتماء تحلق في الأفق، ل تؤكد أن مصر لا تزال نبعًا لا ينضب من الإبداع. حين عزفت جامعة القاهرة، لم نسمع مجرد ألحان، بل استمعنا إلى صوت تاريخ عريق وحاضر يلهم ومستقبل يُبنى بالعلم والجمال معًا.. وستبقى مصر دومًا نشيدًا إنسانيًا لا ينتهي، وستظل جامعة القاهرة المنارة التي لا تكتفي بإنارة العقول، بل تطلق للأرواح عنان التحليق.

زر الذهاب إلى الأعلى