أخبار ومتابعاتمقالات الرأى

د فايد محمد سعيد يكتب: سلسلة: حجٌّ لا يعود كما بدأ (4) بين ضجيج الحياة وصوت القلب: فلسفة الذكر في الحج

يوسف خالد

 

في التجربة الدينية الإسلامية لا يُنظر إلى الحج بوصفه انتقالًا جغرافيًا فحسب، بل باعتباره تجربة لإعادة تشكيل الإنسان من الداخل. ولذلك فإن السؤال الحقيقي الذي يواجه الحاج بعد انتهاء المناسك ليس: ماذا رأيت؟ بل: ماذا تغيّر فيّ؟ وهل تحوّلت العبادة إلى أثرٍ باقٍ في الوعي والسلوك والعلاقة مع الله والناس والحياة؟

ومن هنا تبرز قضية الذكر بوصفها إحدى أعمق القضايا في فهم الحج والعبادة عمومًا. فالذكر في الإسلام ليس مجرد ألفاظ تُردَّد، ولا طقسًا صوتيًا مرتبطًا بمواسم محددة، بل هو مفهوم يتصل ببنية الإنسان الداخلية: بوعيه، وإدراكه، وحضوره الروحي، وقدرته على التحرر من الغفلة التي يستهلك فيها الإنسان عمره دون أن ينتبه إلى نفسه أو غايته أو علاقته بخالقه.

إن المتأمل في شعائر الحج يلاحظ أن الذكر يكاد يملأ تفاصيل الرحلة كلها. فالحاج ينتقل بين التلبية والتكبير والدعاء والتسبيح، وكأن الحج يريد أن يعيد بناء العلاقة بين الإنسان والكلمة. ليست الكلمة هنا مجرد صوت، بل أداة لإيقاظ القلب، وإعادة ترتيب الداخل الإنساني. ولهذا ربط القرآن بين الحج والذكر ربطًا متكررًا، فقال تعالى: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِندَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: 198]، وقال سبحانه: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾ [البقرة: 203].

غير أن الإشكال الحقيقي لا يكمن في غياب الذكر عن حياة الناس، بل في تحوّل الذكر أحيانًا إلى ممارسة آلية منفصلة عن الوعي. فالكلمات الدينية حين تُكرَّر بلا حضور داخلي قد تفقد أثرها التحويلي، وتتحول إلى عادة لغوية أكثر من كونها تجربة روحية. ولهذا يبدو السؤال: “هل قلبي حاضر؟” سؤالًا مركزيًا في فهم معنى الذكر، بل وربما في فهم معنى العبادة نفسها.

إن الإنسان المعاصر يعيش حالة غير مسبوقة من التشتيت الذهني والاستنزاف الداخلي. فالتدفق المستمر للمعلومات، والضجيج الرقمي، وسرعة الحياة، والنزعة الاستهلاكية، كلها عوامل تجعل الإنسان حاضرًا بجسده وغائبًا بروحه. ولذلك يمكن فهم الذكر في الإسلام باعتباره محاولة لاستعادة “الانتباه الوجودي”؛ أي إعادة الإنسان إلى مركزه الداخلي، وتحريره من التبعثر المستمر.

ومن اللافت أن القرآن لا يقدّم الذكر باعتباره مجرد عبادة إضافية، بل باعتباره مصدر الطمأنينة الإنسانية نفسها: ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد: 28]. والطمأنينة هنا ليست غياب المشكلات، بل القدرة على الحفاظ على التوازن الداخلي وسط اضطراب العالم الخارجي. ولهذا قد يعيش الإنسان في وفرة مادية لكنه فاقد للسكينة، وقد يعيش آخر ظروفًا صعبة لكنه يمتلك نوعًا من الاستقرار الروحي العميق.

وفي هذا السياق يمكن فهم التلبية في الحج فهمًا أوسع من معناها الشعائري المباشر. فقول الحاج: “لبيك اللهم لبيك” ليس مجرد استجابة لفظية، بل إعلان رمزي عن إعادة ترتيب الأولويات؛ أي أن الإنسان يعلن – ولو مؤقتًا – أن الله يجب أن يكون في مركز حياته، لا على هامشها. ولذلك فإن القيمة الحقيقية للتلبية لا تظهر في لحظة التلفظ بها، بل في قدرة الإنسان بعد الحج على أن يظل مستجيبًا لله في أخلاقه، وقراراته، وعلاقاته، وطريقة تعامله مع الدنيا.

وقد أدرك علماء التربية والسلوك الإسلامي مبكرًا أن أخطر ما يصيب العبادة هو الغفلة. والغفلة في معناها العميق ليست مجرد النسيان، بل فقدان الحسّ بالحضور؛ أن يعيش الإنسان بعيدًا عن الأسئلة الكبرى: لماذا يعيش؟ وإلى أين يمضي؟ وما معنى وجوده؟ ولذلك جاء التحذير القرآني المتكرر من الغفلة باعتبارها حالة وجودية تؤثر في الرؤية والسلوك معًا: ﴿وَلَا تَكُن مِّنَ الْغَافِلِينَ﴾ [الأعراف: 205].

ومن هنا فإن الذكر الحقيقي لا يُقاس بعدد الكلمات فقط، بل بمقدار ما يتركه من أثر في الإنسان. فالذكر الذي لا يخفف قسوة القلب، ولا يحدّ من الأنانية، ولا يرفع مستوى الوعي الأخلاقي، يبقى ناقصًا في وظيفته التربوية. ولهذا لم يكن المقصود من الذكر في التجربة الإسلامية أن يتحول الإنسان إلى كائن منعزل عن الحياة، بل أن يصبح أكثر وعيًا، وأكثر رحمة، وأكثر اتزانًا في تعامله مع نفسه ومع الآخرين.

كما أن الذكر ليس حكرًا على الحجاج ولا على الأماكن المقدسة. فالفكرة المركزية في الإسلام أن الإنسان يستطيع أن يبني علاقته بالله في أي مكان. ولذلك فإن من أهم دلالات مواسم العبادة أنها لا تريد صناعة “لحظة إيمانية مؤقتة”، بل بناء إنسان جديد قادر على حمل أثر العبادة إلى حياته اليومية.

ولعل المشكلة الكبرى ليست أن الإنسان لا يذكر الله، بل أن كثيرًا من الناس فقدوا القدرة على التذوق الداخلي للمعاني. فاللغة الدينية حين تنفصل عن التأمل تتحول إلى ألفاظ محفوظة، بينما المقصود الحقيقي هو أن تتحول الكلمات إلى وعي. أن يقول الإنسان: “الله أكبر” وهو يعيد تقييم الأشياء التي تستحوذ على خوفه واهتمامه. وأن يقول: “الحمد لله” وهو يستعيد حسّ الامتنان الذي تآكل تحت ضغط الاعتياد. وأن يقول: “سبحان الله” وهو يتأمل حدود الإنسان واتساع الكون وعظمة الخالق.

وفي النهاية، فإن السؤال الذي يطرحه الحج على الإنسان ليس فقط: هل أديت المناسك؟ بل: هل أصبحت أكثر حضورًا مع الله؟ لأن جوهر التحول الديني الحقيقي لا يبدأ من حركة الجسد، بل من يقظة القلب.

زر الذهاب إلى الأعلى