
“في لحظة ما من الماضي منذ نحو 13 مليار سنة أقل أو أكثر قليلا بمقدار مائتي مليون سنة، كان الكون محصورا في نقطة حجمها صفر، أطلق عليها العلماء اسم “المفردة” ثم اعتراها ما نطلق عليه “الانفجار الأعظم”، وهذه كانت البداية” [ستيفين هوكينج].
بعد ثوانٍ ودقائق من الانفجار العظيم، تهيأت حرارة مثالية حولت الكون إلى “فرن عظيم”؛ سمحت بتكوين نسيج كوننا المشاهد اليوم. [الكون المنشود] أما الأرض، فقد تشكلت منذ 4.5 مليار سنة ككرة صخرية ساخنة. ويُعد استمرار حرارة باطنها معجزةً جيولوجية مدفوعة بـ “الاضمحلال الإشعاعي” لعناصر كاليورانيوم؛ فلولا هذا النشاط لبردت الأرض وتجمدت، مما يؤدي لفقدان مجالها المغناطيسي الواقي، واستحالة الحياة فوقها.
كما أن هذا الباطن الساخن هو المحرك لـ الصفائح التكتونية؛ فبدونها لن تنشأ الجبال التي تحفظ توازن الكوكب، ولن تتجدد التربة، بل ستترسب العناصر الغذائية في الأعماق بفعل الأمطار، مما يجعل السطح عقيماً غير صالح للزراعة. هكذا تتكامل البدايات الكونية مع الخصائص الجيولوجية لتصنع كوكباً صالحاً للاستقرار.
إن نظرية الانفجار العظيم تضع لنا تصورا عن نتائج انفجار المتفردة، وطريقة تكون الأجرام السماوية. لكن يبقى التساؤل واقع عن مصدر هذه المتفردة، ومن أين جاءت الطاقة التي تفجرت ونتج عنها هذا الكون؟
وهذا ما طرحه أنتوني فلو عندما تسائل: ما سبب ظهور المادة والطاقة في وقت T0 وليس في وقت آخر؟
إن ترجيح أحد وجهي الفعل، يشير إلى استلزام السبب، والذي يلزم أن يكون خارجا عن الزمان والمكان، إذ نشأة الكون بداية المكان، وحركته بداية الزمان. فلابد للكون مهما كان التفسير من محرك يُنشئ الخلق، ويسير تكوينه وفق إرادته. وصدق الله حين قال: (أَمۡ خُلِقُوا۟ مِنۡ غَیۡرِ شَیۡءٍ أَمۡ هُمُ ٱلۡخَـٰلِقُونَ * أَمۡ خَلَقُوا۟ ٱلسَّمَـٰوَ ٰتِ وَٱلۡأَرۡضَۚ بَل لَّا یُوقِنُونَ) [الطور: 35-36] وبناء عليه فإن كثيراً من التجريبيين يخلعون على رؤاهم الفلسفية ثوب العلم التجريبي؛ ليوهموا المتشككين والحائرين بأن معطيات العلم تدعم حتماً فكرة الإلحاد. والحقيقة أن العلم التجريبي ينحصر دوره في دراسة وتفسير الظواهر الطبيعية وفق آليات ومنهجية محددة، ثم يقف عند حدود المادة، إذ لا تسمح مناهجه بالخوض فيما وراءها. إلا أن نزعةً فكريةً لدى بعض المشتغلين بالعلوم التجريبية تدفعهم إلى تأويل تلك المخرجات العلمية -التي لا تتصادم مع جوهر الدين أصلاً- وصياغتها في قالب فلسفي يوحي بالتعارض، سعياً لإضفاء شرعية علمية على مواقفهم الأيديولوجية المنحازة للإلحاد.
فالانفجار العظيم –مع توقفي كغير متخصص فيزيائيا عن القول به أو معارضته- لا يتعارض مع نص شرعي. فممكن عقلا وشرعا أن يجعل الله سبحانه وتعالى آلية معينة يخلق من خلالها العالم بأجرامه وأفلاكه. وأما عن النص على خلق السماوات والأرض في ستة أيام، فلا يتعارض أبدا مع التقدير الفيزيائي لعمر الكون بمليارات السنوات، إذ أن الله تعالى قال في كتابه: (وَإِنَّ یَوۡمًا عِندَ رَبِّكَ كَأَلۡفِ سَنَةࣲ مِّمَّا تَعُدُّونَ) [الحج: 47]، وقال تعالى: (فِی یَوۡمࣲ كَانَ مِقۡدَارُهُۥۤ أَلۡفَ سَنَةࣲ مِّمَّا تَعُدُّونَ) [السجدة: 5]، وقال أيضا: (فِی یَوۡمࣲ كَانَ مِقۡدَارُهُۥۤ أَلۡفَ سَنَةࣲ مِّمَّا تَعُدُّونَ) [المعارج: 4]، وواضح منها الدلالة على أن اليوم ليس مرادا لذاته، بل إشارة إلى مراحل وأطوار خلق الأفلاك.






