أخبار ومتابعات

بقلم أ. د. فايد محمد سعيد…..حين تُثمر شجرة الرجاء بعد ذبول العمر

متابعات يوتوبيا

زكريا عليه السلام: حين تُثمر شجرة الرجاء بعد ذبول العمر (٥)

 

 

من سلسلة: عندما يكون الحلّ هو المستحيل –

أ. د. فايد محمد سعيد

 

من بين مشاهد القرآن التي يهتزّ لها القلب، وتجعل العقل يقف أمام قدرة الله متأمّلًا، تأتي قصة زكريا عليه السلام وهو يطلب الولد بعد أن وهن عظمه، واشتعل رأسه شيبًا، وكانت امرأته عاقرًا.

 

إنها قصة الرجاء الذي لا يموت، واليقين الذي يرفض الاستسلام للسنين، والدعاء الذي يرتفع من قلب عجزٍ كامل، فلا يلبث أن يُجاب بقدرة كاملة.

 

 

 

هذه ليست قصة ولادة متأخرة فحسب…

 

إنها قصة إيمانٍ يُهدي للإنسان طريقة جديدة لرؤية المستحيل.

 

 

 

 

 

 

 

 

١. مشهد البداية: حين يرى زكريا ما يتجاوز الطبيعة

 

 

 

 

 

كان زكريا عليه السلام يدخل على مريم في المحراب، فيجد عندها فاكهة الشتاء في الصيف، وفاكهة الصيف في الشتاء.

 

هذا المشهد وحده يكفي ليوقظ القلب من غفلته؛ فالطبيعة لها نواميسها، والمواسم لها ترتيبها، ولا يمكن لفاكهة الشتاء أن تظهر في الصيف، ولا لفاكهة الصيف أن تظهر في الشتاء… إلا أن يشاء الله.

 

 

 

ولهذا سأل زكريا سؤال العارف المتعجب:

 

 

 

﴿يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَٰذَا﴾

أي: كيف جاءك هذا؟ ومن أين؟

 

 

فجاء الجواب الذي سيغيّر تاريخ زكريا:

 

 

 

﴿هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ﴾

 

 

هذه الجملة الصغيرة كانت بمثابة شرارة الإلهام، المفتاح الذي فتح لبصيرة زكريا بابًا لم يكن يتوقعه:

 

 

 

إذا كانت مريم تُرزق بما هو خارج الأسباب،

 

فهل يُعجز الله أن يرزقني بالولد…

 

ولو سقطت كل الأسباب؟

 

 

 

لقد رأى زكريا في هذا المشهد قدرة الله قبل أن يرى الفاكهة،

 

ورأى المشيئة قبل أن يرى الثمرة.

 

ورأى الفاعل قبل الفعل.

 

 

 

فعاد قلبه إلى الله يقول:

 

 

 

إن الذي رزق مريم بغير سبب، قادر أن يرزقني بغير سبب.

 

 

وهذا هو جوهر السلسلة كلها:

 

أن المستحيل ليس إلا سببًا لتتوجه إلى الله بصدقٍ أكبر.

 

 

 

 

 

 

 

 

٢. الدعاء في لحظة العجز الكامل

 

 

 

 

 

في تلك اللحظة التي شعر فيها زكريا أن باب الرجاء قد فُتح، لم يلتفت إلى سنه، ولا إلى ضعف جسده، ولا إلى عُقم زوجته، ولا إلى استحالة الأمر في ظاهر العلم.

 

بل اتجه مباشرة إلى الله، ودعا دعاءً يختصر العمر كله:

 

 

 

﴿رَبِّ هَبْ لِي مِن لَّدُنكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً﴾

 

 

ما أعظمه من دعاء!

 

لم يقل: “ارزقني ولدًا”.

 

لم يقل: “أعطني طفلاً”.

 

بل قال: “هب لي” — والهِبَة لا تُطلَب إلا من قادرٍ يُعطي بلا سبب.

 

وقال: “من لدنك” — أي: من خزائن قدرتك، لا من حسابات الطبيعة.

 

 

 

وأما وصفه للذرية بـ“الطيبة”، فكان كأنه يقول:

 

يا رب، لا أريد ولدًا فقط…

 

بل ولدًا تُرضيك أخلاقه قبل أن تُعجبني صورته،

 

ولدًا يمتدّ به ذكري الإيماني، لا ذكري الدنيوي.

 

 

 

إن هذا الدعاء يكشف أن زكريا لم يكن يطلب الولد ليتباهى أو ليفرح فقط، بل ليُكمِل رسالة هداية، ويستمر نور النبوة.

 

 

 

 

 

 

 

 

٣. انكسار الجسد… قيام الروح

 

 

 

 

 

يصف القرآن حال زكريا قبل الدعاء وصفًا بليغًا، يعرض فيه أقصى درجات العجز الإنساني:

 

 

 

﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي﴾

أي: ضعُف الأصل الذي يحمل الجسد.

 

 

﴿وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا﴾

صورة شاعرية بديعة—كأن الشيب نار اشتعلت في الرأس.

 

 

﴿وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا﴾

أي: فقدت القدرة على الإنجاب من أصلها، لا بسبب السن فقط.

 

 

إن اجتماع هذه الثلاثية يعني:

 

 

 

الشيخوخة بلغت ذروتها

القوة الجسدية انهارت

الزوجة عاقر بطبيعتها، لا بسبب العمر

 

 

 

 

فما الذي بقي من الأسباب؟

 

لا شيء تقريبًا.

 

 

 

ومع ذلك، بقي شيء واحد لا يسقط:

 

الرجاء بالله.

 

 

 

وهنا يعطينا القرآن درسًا عظيمًا:

 

 

 

أن الدعاء لا يحتاج أسبابًا… بل يحتاج قلبًا.

 

 

 

 

 

 

 

 

٤. الاستجابة الفورية: “يا زكريا”

 

 

 

 

 

جاءت الاستجابة الإلهية فورًا:

 

 

 

﴿فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ﴾

أي أن الاستجابة جاءت في لحظة العبادة، عند أعلى درجات القرب.

 

 

ثم قالت الملائكة:

 

 

 

﴿يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ﴾

 

 

يا الله!

 

كم بين الدعاء والبشارة؟

 

لحظات.

 

 

 

هذا الفارق الزمني القصير بين الطلب والعطاء يُعلّمنا أن المسافة بين الأرض والسماء ليست كما نتخيل.

 

الفارق ليس في الزمن…

 

بل في الاستعداد الروحي.

 

 

 

وحين يكون القلب مستعدًا، يكون الفرج قريبًا.

 

 

 

 

 

 

 

 

٥. دهشة زكريا… دهشة منطقية أمام غير المنطقي

 

 

 

 

 

على الرغم من إيمانه ويقينه، عبّر زكريا عن دهشته:

 

 

 

﴿أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ﴾

 

 

هذه الدهشة ليست اعتراضًا، ولا تشكيكًا، بل هي لغة الإنسان أمام قدرة الله.

 

دهشة ترى المعجز أمامها، فتنطق بما اعتادت عليه النفس.

 

 

 

وهنا يأتي الجواب الإلهي الذي سيكون جزءًا من ذاكرة الإنسانية إلى يوم القيامة:

 

 

 

﴿قَالَ كَذَٰلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾

 

 

لا علّة.

 

لا تفسير.

 

لا منطق أرضي.

 

لا شرح.

 

 

 

بل كلمة واحدة:

 

“يفعل ما يشاء”.

 

 

 

هذه العبارة يجب أن تُكتب على قلب كل مؤمن؛ لأنها تحوّل المستحيل إلى ممكن في لحظة.

 

 

 

 

 

 

 

 

٦. لماذا يُظهر الله قدرته عبر المستحيل؟

 

 

 

 

 

ليس الهدف فقط إعطاء زكريا الولد، بل ترسيخ قاعدة إيمانية:

 

 

 

أن الله لا تحدّه قوانين الكون… بل الكون كله جزء من خلقه.

 

 

 

اختار الله أن يولد يحيى من عاجزين، كما اختار أن يولد عيسى من دون أب—لإيصال الرسالة نفسها:

 

 

 

أن الأسباب ليست هي الحاكمة… بل الله هو الحاكم.

 

 

إن الإنسان حين يعتقد أن الأسباب هي كل شيء يصبح عبدًا لها،

 

لكن حين يدرك أنها مجرد ستار خلفه قدرة لا حدّ لها…

 

يصبح عبدًا لله وحده.

 

 

 

وهذا هو التحرّر الحقيقي.

 

 

 

 

 

 

 

 

٧. أثر الولادة: ولادة يحيى… وولادة معنى جديد للرجاء

 

 

 

 

 

يحيى عليه السلام لم يكن ولدًا عاديًا.

 

كان:

 

 

 

نبيًا،

سيدًا،

حصورًا،

طاهرًا،

مباركًا،

أول من سمي “يحيى”.

 

 

 

 

أي أنه جاء ليحيا به الدين.

 

 

 

في اللحظة التي وُلِد فيها يحيى، لم يولد طفل فقط، بل ولد معه:

 

 

 

يقين جديد

معنى جديد للصبر

باب جديد للرجاء

دليل عملي على أن المستحيل ليس مستحيلًا على الله

 

 

 

 

ولذلك سمّاه الله باسمه (يحيى) قبل أن يولد؛ ليكون اسمه نفسه إعلانًا للحياة بعد الموت الرمزي للعجز.

 

 

 

 

 

 

 

 

٨. الربط بين قصة زكريا وقصص الأنبياء الأخرى

 

 

 

 

 

لو نظرنا إلى قصص السلسلة كلها، لوجدنا خيطًا واحدًا يجمعها:

 

 

 

موسى في مدين: العجز + التوكل ⇒ الفرج

موسى أمام البحر: الاستحالة + الثقة ⇒ الانفلاق

هاجر: الافتقار + السعي ⇒ زمزم

إبراهيم وسارة: اليأس + البشارة ⇒ ولادة إسحاق

زكريا: العقم + الإخلاص ⇒ ولادة يحيى

 

 

 

 

الخيط الجامع هو:

 

أن الله يحبّ أن يظهر قدرته حين تفقد أنت قدرتك.

 

 

 

ليس لأن الله يريد أن يعجّزك،

 

بل لأنه يريدك أن تعرف أن قوتك ليست من نفسك… بل منه.

 

 

 

 

 

 

 

 

٩. ماذا تقول هذه القصة لنا في القرن الحادي والعشرين؟

 

 

 

 

 

تقول لنا الكثير، لأننا نعيش:

 

 

 

قلقًا من المستقبل

خوفًا من الفقر

ضغطًا نفسيًا

شعورًا بأن العمر يمضي

صدمات متتالية

أحلامًا لا تتحقق

أمنيات تأخرت

 

 

 

 

وقصة زكريا تقول لك:

 

 

 

لا تقل: فات الأوان

لا تقل: عمري ضاع

لا تقل: لا فرصة

لا تقل: الأسباب منعدمة

 

 

 

 

بل قل كما قال زكريا:

 

 

 

﴿رَبِّ هَبْ لِي﴾

 

 

أي أعطني من حيث لا أرى ولا أعرف ولا أتوقع.

 

 

 

وتقول لك:

 

إذا أعطاك الله… لا يسألك عن عمرك ولا أسبابك.

 

 

 

 

 

 

 

 

١٠. الخاتمة: حين يثمر الدعاء الشجرة التي ظننت أنها ماتت

 

 

 

 

 

الدعاء الذي دعا به زكريا يشبه بذرة دُفنت في أرض قاحلة.

 

سنوات طويلة… لا ماء، لا شجر، لا حياة.

 

ومع ذلك جاءت لحظة، فاهتزت الأرض وربت وأنبتت شجرة يحيى.

 

هكذا يفعل الله:

 

 

 

يغرس الدعاء في قلبك

ويؤخره لحكمة

ويُربّي اليقين

ثم يعطيك حين يكون قلبك مستعدًا

 

 

 

 

إنها القاعدة الربانية الكبرى:

 

 

 

عندما يظن الناس أن النهاية قد كُتبت… يكتب الله بداية جديدة.

 

 

وهكذا تنتهي السلسلة كما بدأت:

 

أن الحلّ الحقيقي يبدأ حين يُصبح الحل مستحيلًا.

 

وأن ما بين العجز والفرج… دعوة صادقة واحدة

زر الذهاب إلى الأعلى