مقالات الرأى

د إسماعيل أبو النيل يكتب: المشاعر المتزنة في العلاقات الإنسانية

مقالات للرأي

من منظور علم النفس الاجتماعي، نجد أن العلاقات السليمة تقوم على المعاملة بالمثل. فتؤكد نظرية “التبادل الاجتماعي” (Social Exchange Theory) أن الناس يستمرون في العلاقات عندما يشعرون بميزان عادل بين ما يعطونه وما يتلقونه. لكن حين يختل هذا التوازن، ويشعر أحد الأطراف أنه يمنح بلا مقابل، يبدأ إدراكه لقيمة ذاته في التراجع، بينما قد يرى الطرف الآخر أن الأمر مجرد “حق مكتسب” أو نتيجة لاحتياج الطرف المقابل. وهنا تتحول العاطفة النبيلة إلى عبء نفسي.

فالعلاقات الإنسانية بحر واسع، قد تبدو أمواجه هادئة لكنها في العمق تحمل تيارات خفية لا يدركها إلا من غاص فيها. ومن أبرز هذه التيارات المربكة إعطاء الآخرين مكانة أكبر مما يستحقون. فحين نبالغ في حب الناس وتقديرهم، نمنحهم – من حيث لا نشعر – مساحة للغرور والتكبر، وغالبًا ما يكون أول ضحية لهذا التحول هو نحن أنفسنا.

بالإضافة الى ذلك فإن الدراسات في مجال نظرية تقدير الذات (Self-Esteem Theory) تبيّن أن الإفراط في التعلق بالآخرين يعكس أحيانًا اعتمادًا زائدًا على التقدير الخارجي، مما يجعل الفرد أكثر عرضة للإحباط عندما لا يجد الرد المناسب. فبدلًا من أن يعزز الحب قيمة الذات، يصبح وسيلة لهدمها إذا لم يقابله الطرف الآخر بالاحترام ذاته. لذلك فإن الاتزان العاطفي ليس خيارًا ترفيهيًا، بل ضرورة لصحة نفسية مستقرة.

ويعد البعد الوجداني هنا بالغ الأهمية، فالمبالغة في الحب قد لا تُترجم دائمًا إلى مزيد من القرب، بل قد تُفسَّر كعلامة ضعف. فالقلوب التي تُعطى بلا توقف قد تُستقبل ببرود أو جفاء، لأن الطرف الآخر يشعر أن مكانته مضمونة سلفًا. وهذا ما تشرحه نظرية المقارنة الاجتماعية (Social Comparison Theory)، إذ يبدأ الفرد في إدراك نفسه متفوقًا أو أهم من الطرف الآخر لمجرد أن الأخير يفرط في التعلق به، فيتولد لديه شعور بالتعالي.

وبالتالي فإن الدرس الأعمق هنا هو أن العلاقات تكون أشبه برقصة متناغمة، خطوة منك يقابلها خطوة من الآخر، ولمسة حنان منك تقابلها لمسة وفاء من الآخر، ودعاء بصدق يقابله دعاء مماثل. أما أن تبالغ في السير على طريق ليس طريقك، أو أن تطرق أبواب قلوب مغلقة، فهو نزيف وجداني يهدر الكرامة قبل المشاعر.

وعليه فإن الحب الصادق لا يحتاج إلى مبالغة، والاحترام الحقيقي لا يقوم على تنازلات من طرف واحد. وفي نهاية المطاف، من أرادك سيجد طريقه إليك بخطوة موازية لخطوتك، ومن لم يُقدّر وجودك فلن يزيدك التعلق به إلا خيبة. فالإنسان القوي ليس من يغلق قلبه، بل من يفتحه بوعي، ويعرف متى يعطي، ومتى يتوقف. هذه هي المعادلة الذهبية التي تحفظ للروح نقاءها، وللقلب عزه، وللعلاقات معناها الأصيل.

زر الذهاب إلى الأعلى