أخبار ومتابعات

د. فايد محمد سعيد: فقه النوازل الطبية في طور التأسيس .. قراءة في مؤتمرات المنظمة الإسلامية للعلوم الطبية بين زراعة الأعضاء والاستنساخ والإجهاض

متابعات يوتوبيا

 

 

عندما تأسست المنظمة الإسلامية للعلوم الطبية في مطلع الثمانينيات، لم يكن الحديث عن “فقه الطب” منتشرًا، ولم تكن النوازل الطبية قد أخذت حيّزها في كتب الفقه أو دوائر الإفتاء، بل كانت بعض القضايا تُطرح على استحياء، وأخرى تفتقر إلى التكييف الشرعي السليم.

لكن هذه المنظمة، بدعم أميري مباشر من القيادة الكويتية، وبمشاركة علماء كبار من الأزهر والمجامع الفقهية، بدأت من حيث يجب أن يبدأ البناء: القضايا الكبرى التي تواجه حياة الإنسان وكرامته.

مؤتمر زراعة الأعضاء: فتوى بدّلت الواقع

في عام 1985، عقدت المنظمة أولى مؤتمراتها الكبرى حول زراعة الأعضاء، وخرج المؤتمر بفتوى تاريخية جوهرها:

جواز نقل وزراعة الأعضاء من الأحياء، بشروط.
جواز التبرع بعد الوفاة في حالات الضرورة، بشرط الوصية أو إذن الورثة، وألا يكون في ذلك امتهان للكرامة الإنسانية.

هذه الفتوى كانت حاسمة، ومهّدت الطريق لإنشاء بنوك الأعضاء، وإعداد تشريعات وطنية في عدة دول عربية، بل ساعدت على إنقاذ آلاف الأرواح، بعدما كانت المسألة محل حرج شديد وخلافات فقهية حادة.

مؤتمر الاستنساخ: بين الانبهار والاحتراز

في نهاية التسعينيات، وبعد الضجة العالمية التي أثارها استنساخ النعجة “دوللي”، نظمت المنظمة مؤتمرًا خاصًا حول الاستنساخ البشري، حضره كبار علماء الوراثة والفقه، وقد ناقشوا المسألة من زوايا متعددة:

هل الاستنساخ عبث بخلق الله؟
ما الحكم الشرعي في استنساخ الإنسان؟
هل يمكن استخدامه لأغراض علاجية فقط؟وقد خلص المؤتمر إلى التحريم الكامل للاستنساخ البشري التناسلي، والتفريق بين الاستنساخ لأغراض بحثية أو علاجية بشروط صارمة، والاستنساخ بقصد التوالد أو التجريب البشري، لما في ذلك من تهديد للنوع الإنساني، وخلل في نسب الأطفال وحقوقهم.

مؤتمر الإجهاض وأحكامه: من الخطوط الحمراء إلى فقه الموازنات

لم يكن موضوع الإجهاض أقل حساسية، خصوصًا مع تطور وسائل التصوير الجيني، وتشخيص العيوب الخَلقية في الأجنّة، وانتشار الإجهاض لأسباب اقتصادية أو اجتماعية.

ناقش المؤتمر:

مفهوم الجنين في الفقه الإسلامي.
متى يُعد إسقاط الحمل جريمة؟ ومتى يُعد مصلحة؟
الفرق بين الإجهاض قبل نفخ الروح وبعده.
الحالات الطبية التي يُرخّص فيها بالإجهاض، كإنقاذ حياة الأم، أو التشوّهات الشديدة غير القابلة للحياة.

وأوصى العلماء بفتاوى دقيقة تراعي فقه الضرورة، ومبدأ التيسير عند الحاجة، والتمييز بين المراحل الجنينية، مما فتح الباب لخطاب فقهي إنساني، لا يُغفل الشرع ولا يغلق الباب أمام الواقع.

تأسيس منهجية الاجتهاد الجماعي المؤسسي

ما يُميّز هذه المؤتمرات المبكّرة أنها:

أرست قواعد فقه النوازل الطبية قبل ظهور مصطلح “البيوإثيقا” الحديث في العالم الإسلامي.
اعتمدت منهجًا يجمع بين التحقيق الفقهي العميق والفهم العلمي الدقيق.
خلّفت وراءها وثائق مرجعية أصبحت أدبيات معتمدة في كليات الشريعة والطب، ومراجع مهمة للمجامع الفقهية في قراراتها.

أثر دائم يتجدد

لا تزال مخرجات تلك المؤتمرات تؤتي أُكُلها إلى اليوم، في قوانين الدول، وسياسات المستشفيات، وقرارات المجامع، وتدريب الأطباء على الموازنة بين الفقه والطب.

وقد أحيت المنظمة بذلك فقه الحياة، وساهمت في بناء جسور الثقة بين العلم والدين، في زمن تباعدت فيه المسارات وتشظّت المرجعيات.

وهكذا، تكون المنظمة الإسلامية للعلوم الطبية قد رسمت مسارًا حضاريًا رائدًا، أعاد الاعتبار لمفهوم الاجتهاد الجماعي، وربط العلم بالشريعة، وحمل لواء التكييف الفقهي للمستجدات الطبية – لا على سبيل الممانعة، بل في أفق التوجيه والتقويم والبناء.

زر الذهاب إلى الأعلى