د. فايد محمد سعيد: قراءة إيمانية وسلوكية في معاني الحج … رمي الجمرات – التفريغ من الشيطان والتمسك بالإيمان
متابعات يوتوبيا

يتأهب المسلمون في هذه الأيام للذهاب إلى مكة بلد الله الحرام لأبداء مناسك الحج،
فيما أكد أ . د راندا رزق الأمين العام للمجلس العربي للمسئولية المجتمعية أن بوابة أربيان يوتوبيا تحرص على أن تعطي بصمتها في كل حدث يهم المجتمع أو العالم الإسلامي، وبخاصة وأن الحج إلى بيت الله الحرام هو الركن الخامس من أركان الإسلام.
وفي هذا الإطار. تسر بوابة ” اربيان يوتوبيا ” أن تقدم لقرائها الكرام بعض القضايا المتعلقة بالحج معايشة مع الحجاج لمناسك الحج، يقدمها أ د فايد محمد سعيد.
يتناول هذا المقال شعيرة رمي الجمرات في الحج بوصفها رمزًا للصراع بين الإنسان والشيطان، ووسيلة عملية لتجديد العهد مع الله، والتخلص من وساوس النفس. كما يسلّط الضوء على البعد التربوي والنفسي والروحي لهذه الشعيرة، التي تربط الحاضر بجهاد الأنبياء في وجه الإغواء، وتترجم معنى الاستمرار في طريق الطاعة
في وادي “منى”، وفي مواضع ثلاثة محددة، يقف الحاج ليرمي سبع حصيات في كل موضع، على مدى أيام التشريق. قد يظن غير العارف أن الفعل بسيط في ظاهره، لكنه يحمل رمزية عميقة تتجاوز حدود الزمان والمكان، تعود جذورها إلى مشهد الخليل إبراهيم عليه السلام حينما تعرض لوسوسة الشيطان في طريقه لتنفيذ أمر الله بذبح ابنه إسماعيل.
لقد رمى الشيطانَ في ثلاثة مواضع، فصار الرمي سنة متبعة، وإحياءً لذاك الانتصار الروحي العظيم.
⸻
أولًا: الجمرات بين التاريخ والرمز
الرمي له جذور نبوية خالصة، فعندما عرض الشيطان لإبراهيم في مواضع من منى ليصده عن تنفيذ أمر الله، رماه بالحجارة في كل موضع، فصار ذلك شعيرةً باقية:
عن ابن عباس رضي الله عنه قال: “جاءه الشيطان عند جمرة العقبة، فرماه بسبع حصيات حتى ساخ في الأرض، ثم جاءه عند الجمرة الوسطى، ففعل مثل ذلك، ثم جاءه عند الجمرة الصغرى، ففعل مثل ذلك.” (رواه البيهقي)
فأُثبتت هذه الوقائع الإيمانية لتُعاد كل عام، لا كمجرد عادة، بل كفعل مقاومة وتطهير.
⸻
ثانيًا: الرمي تفريغ وتطهير
إن الحاج حين يرمي الجمار، لا يرمي أحجارًا صامتة، بل يرمي وساوس الشيطان، ونوازع النفس، وكل ضعف داخلي. هو تفريغ:
• للغضب والكراهية.
• للمعصية والرغبة الآثمة.
• للتردد في طاعة الله.
إنه تطهير من الداخل، وتحرر من سيطرة عدو خفي يتربص بالإنسان في كل حين.
⸻
ثالثًا: التكرار تأكيد على استمرارية الجهاد
لم يكتف الشارع الحكيم برمي موضع واحد، بل ثلاث جمرات، وعلى أيام متكررة (يوم النحر، وأيام التشريق). لماذا؟
• لأن الشيطان لا يمل من الوسوسة، فلا ينبغي للمؤمن أن يمل من مقاومته.
• لأن النفس تحتاج إلى تكرار التدريب والتطهير.
• لأن الحج ليس لحظة عابرة، بل إعادة بناء مستمرة للإرادة والنية.
⸻
رابعًا: معاني تربوية من شعيرة الرمي
1. رمزية الجهاد الأكبر: رمي الجمرات هو تعبير عن الجهاد النفسي، الذي وصفه النبي ﷺ بـ”الجهاد الأكبر”.
2. التدرج في التخلص من العقد الداخلية: فكل رمية توازي عزمًا على ترك ذنب، أو تجديد نية، أو تحصين قلب.
3. الضبط والنية: لا تقبل الرمية إن لم تكن في الوقت والمكان الصحيح، وبالعدد المحدد، مما يعلّم الحاج الدقة والنية والامتثال.
⸻
خامسًا: تربية عملية ضد الغفلة
الحج ليس مكانًا للتجوال السائح، بل هو رحلة داخلية. ورمي الجمرات يربّي المؤمن أن يظل يقظًا:
• متأهبًا لمواجهة الشيطان.
• منتبهًا لنقاط الضعف في نفسه.
• مستحضرًا رمزية كل حركة وسكون.
فهو درس في التركيز، وفي استحضار القصد، في زمن كثرت فيه الغفلة، وخفّ فيه الوعي بالعداوة الشيطانية.
⸻
خاتمة
شعيرة رمي الجمرات تذكّرنا أن الحج ليس فقط طوافًا وسعيًا، بل هو ميدان تربية وبناء وصمود. ومن رمى الشيطان في منى، فليحذر أن يرجع به إلى قلبه بعد الحج.
“فإذا رميتَ، فاجعل كل حصاة إعلانًا للرفض: أرفض الغفلة، أرفض المعصية، أرفض الانهزام.”
فالرمي تحرر وولادة جديدة، وكل منىٍ لا تُستثمر لبناء النفس، تُهدر فيها الحكمة، وتُضيّع الأثر.
⸻
المصادر والمراجع
1. ابن كثير، تفسير القرآن العظيم.
2. الفيروزآبادي، بصائر ذوي التمييز.
3. أبو زهرة، الحج والعمرة.
5. محمد الراوي، الحج مدرسة إيمانية.









