أخبار ومتابعات

الحوكمة والتشريعات الوظيفية (8) د عزيز أبو الليل يكتب: البُنيان السُلّمِي للوظيفة العامة

يوسف خالد

الحوكمة والتشريعات الوظيفية (8) د عزيز أبو الليل يكتب: البُنيان السُلّمِي للوظيفة العامة

تقدم بوابة أربيان يوتوبيا لقرائها الكرام الفقرة القانونية والثقافية الأولى حول الحوكمة، وحيثيات التشريعات الوظيفية ، وفي هذا الإطار تقول أ. د راندا رزق الأمين العام للمجلس العربي للمسئولية المجتمعية ورئيس مجلس إدارة يوتوبيا إن هذه الفقرة تهدف إلى بيان أطر الحوكمة والقوانين اللازمة لذوي الأعمال في المؤسسات المختلفة، وتبين ضرورة الالتزام بأحكام القوانين واللوائح والقرارات والنظم المعمول بها والعمل على تطبيقها، والقيام بالعمل المنوط به بدقة وأمانة، وإنجازه في المواعيد المناسبة طبقاً لمعدلات الأداء المقررة.

وأضافت رزق أن الهدف يدور في فلك التثقيف والتعاون المستقيم، من أجل معاونة المختصين على التطبيق السليم لقوانين ونظم الخدمة المدنية في مختلف قطاعات الدولة، وذلك لرفع معدلات الأداء وتقليل المخاطر وتجنب الأخطاء.
فيما أشار د خالد غانم مدير تحرير يوتوبيا والمستشار العلمي للمجلس إن هذه الفقرة تصب في قالب التعرف على أوجه الجودة فى التشريعات المنظمة لدور مؤسسات وأجهزة الخدمة المدنية في المنظمات الحكومية، وذلك لمسابقة الزمن في تفعيل التنمية المستدامة ومجالاتها.
———-
د عزيز أبو الليل: الحوكمة وعلاقتها بالجهاز الإداري للدولة

انتهينا في الحلقة السابقة (السادسة) إلى تعريف التنمية المستدامة، لاسيما في ظل الأهداف الثمانية التي وضعتها الاستراتيجية المصرية (الهدف السادس: حوكمة مؤسسات الدولة والمجتمع) والمستمدة من الأهداف الأممية السبعة عشر.
والآن يمكن التعرف على مفهوم الحوكمة؛ بأنها الإدارة الرشيدة، ويمكن تعريفها أيضًا على أنها قدرة الدولة على تأمين وإدارة تقديم الخدمات البشرية الأساسية بشكل فعال لجميع السكان، كما يتم تصور مفهموم الحوكمة فى التنبؤ المستقبلى عبر ثلاثة أبعاد: الأمن والقدرة والشمول؛ فالأمن هو الذى يشكل إقرار السلام والاستقرار دون قمع، وتشمل القدرات على قدرة الدولة على زيادة الايرادات وتوفير السلع والخدمات العامة بفاعلية وتدابير الايرادات الحكومية، ويشير الشمول إلى زيادة إدماج السكان فى العمليات السياسية والاقتصادية.
فعندما تكون الأبعاد الثلاثة قوية ومدعمة نتوقع أن يؤدى كل منها إلى دورات إنمائية ايجابية يعزز بعضها البعض، ويمكن للاختلالات بين الأنظمة والتحديات مثل النخب الناهبة، والافتقار إلى تدابير المساءلة، أوعدم الاستقرارالمحلى، أن تؤدى إلى حلقات مفرغة من سوء الإدارة ومحدودية التنمية البشرية، وتدني مستوى الرفاه.
وتهدف الحوكمة إلى تعزيز الأمن والشفافية والفاعلية لمواءمة الإدارة بشكل أفضل مع التوقعات العامة، ومن المرجح أن تلعب الإدارة الرشيدة وقدرة الدولة على تقديم الخدمات العامة دورًا مهمًا فى تسريع تقدم الدولة نحو أهداف التنمية المستدامة.
أبعاد الحوكمة.
هناك توافق بين كثير من الخبراء والمعنيين فى موضوع الحوكمة على أن هناك تسعة عناصر أساسية لأبعاد الحوكمة، وبيبانها كالتالي:
-الكفاءة:هى قدرة الأطراف الفاعلة على تنفيذ المشروعات وتوفير الخدمات بأقل تكلفة وفي وقت مناسب.
-الفاعلية: هى جودة المخرج النهائى للخدمة ودرجة رضا المواطنين عنها.
ـ-المشاركة:هى مدى اشتراك الأطراف الفاعلة فى تحديد الاحتياجات وإعداد الخطط والموازنات ومتابعة التنفيذ وتقديم الخدمات.
-الشفافية: هى مدى سهولة الحصول على معلومات تخص تقديم الخدمات ودرجة الانفتاح فى العلاقة بين الأطراف الفاعلة.
-المساءلة:هى سؤال أى الأطراف الفاعلة عن دوره فى تقديم الخدمة بهدف محاسبته ماليًا أو فنيًا أو إداريًا.
-الاستجابة:هى درجة وسرعة استجابة الأطراف الفاعلة لرغبات واحتياجات المواطنين من السلع والخدمات.
-العدالة والمساواة:هى تقديم الأطراف الفاعلة للخدمات لكافة المواطنين على قدم المساواة طبقًا للاحتياجات ومبدأ تكافؤ الفرص.
-سيادة القانون: هى تواجد قوانين وتشريعات وقواعد تحكم أداء وسلوكيات الأطراف الفاعلة ومدى تطبيقها.
-مكافحة الفساد:هى تواجد نظام فعال لمنع ومجابهة الفساد، ومدى تطبيقه من قبل كل الأطراف الفاعلة.
آليات الحوكمة:
الأمر يتطلب توفير مجموعة من المتطلبات والضوابط الرئيسية اللازمة لمساعدة الحوكمة فى تحقيق أهدافها ومن أهم هذه المتطلبات:
-وضع التشريعات والقوانين وتصميم الأنظمة التى تدعم المبادىء الأساسية للحوكمة.
-تحقيق الكفاءات للهيئات والأجهزة الرقابية لضمان إحكام الرقابة على المنظمات.
-ضرورة توفير التمويل اللازم من خلال رفع كفاءة القطاعات والمنظمات.
-تحديد السلطات والمسؤليات من خلال هياكل تنظيمية واضحة، تضمن نظام رقابي داخلي، ولجان للمراجعة لها كل السلطات لممارسة دورها الرقابي على أعمال المراجعة.
-تطبيق نظام كُفء للافصاح والشفافية لضمان تقديم المعلومات الملائمة والمطلوبة عن الأنشطة المختلفة.
التحول الرقمي كأحد أدوات الحوكمة:
تشمل استراتيجية التنمية المستدامة كما سبق وأن بينا في الحلقة السابقة ثلاثة أبعاد، منها البعد الاقتصادي الذي يُسلط الضوء على التنمية الاقتصادية والشفافية وكفاءة المؤسسات الحكومية والطاقة والمعرفة، أما البعد الاجتماعي فيُسلط الضوء على التعليم والتدريب والصحة والثقافة والعدالة الاجتماعية، بينما يُركز البعد البيئي على مجال البيئة والتنمية الحضرية.
تسعى الدولة المصرية بكافة مؤسساتها إلى بناء مصر الرقمية والوصول إلى مجتمع مصري يتعامل رقميًا في كافة مناحي الحياة، ولذا تعمل على تعزيز تنمية البنية التحتية لتكنولوجيا المعلومات والاتصالات وتحسين الخدمات الرقمية في الجهات الحكومية، وذلك لتحسين أداء الوزارات والهيئات الحكومية الأخرى، ورفع جودة الخدمات وكفاءتها من خلال تحسين بيئة العمل بأقل عدد من العاملين، وتوفير الدعم لعملية صناعة القرار وإيجاد حلول للقضايا التي تهم كافة طوائف المجتمع.
يُعرف التحول الرقمي بأنه عملية انتقال مؤسسات الدولة بكافة تصنيفاتها إلى نموذج عمل يعتمد على التقنيات الرقمية في ابتكار المنتجات وتقديم الخدمات، وتوفير قنوات جديدة من العائدات على الاستثمار وفرص جديدة تزيد من رفع مؤشرات تنافسية الدول.
سعت الدولة إلى تحويل الحكومة إلى حكومة مترابطة رقميًا من خلال ربط الأنظمة الرقمية الحكومية، وتحسين العمل داخل الجهاز الإداري للدولة ليعمل بكفاءة وفاعلية، ومن أمثلتها:
-انتقال الحكومة إلى العاصمة الإدارية الجديدة.
-ميكنة الوزارات والجهات الحكومية.
-دعم استحداث وحدات نظم المعلومات والتحول الرقمي.
-استدامة أعمال التحول الرقمي والخدمات الحكومية.
أخيرًا… وبعد استعراض الحوكمة وعلاقتها بالجهاز الإداري للدولة، فما هي معوقات ومحددات تطويرالجهاز الإداري للدولة، وما هي المرتكزات التي يقوم عليها هذا التطوير، وهو ما سوف نستعرضه في الحلقة القادمة إن شاء الله تعالي.

د عزيز أبو الليل: البُنيان السُلّمِي للوظيفة العامة
——————-
استعرضنا في الحلقة السابقة (السابعة) تعريف الحوكمة، وأبعادها ،وأهم أدواتها (التحول الرقمي)، وما أنجزته الدولة المصرية في هذا الشأن، والسؤال الآن ما هو البُنيان السُلّمِي للوظيفة العامة؟
يَعلم القاصي والداني أن اللبنة الأولى فى أى هيكل تنظيمي سنجدها فى الموظف (الموظف العام) الذى يشغل موقعًا أو وظيفة فى هذا الهيكل، وهذا الهيكل أو البناء التنظيمي ما هو إلا المنظمة أو الوحدة التى تضم تلك الوظائف والموظفين، ثم لابد إذًا أن تكون هناك علاقات تنظيمية، أى تنظيم العلاقة أو العلاقات المختلفة بين الوظيفة والموظف وبين الوحدة.
والوحدة هنا كما عَرّفها قانون الخدمة المدنية الصادر بالقانون رقم (81) لسنة 2016 في البند الثاني من المادة الثانية، بأنها “الوزارة أو المصلحة أو الجهاز الحكومي أو المحافظة أو الهيئة العامة”.
كما يتكون البناء التنظيمي من عدة وظائف مختلفة، فلكى تُكَون جهازًا إداريًا تكون مهمته تحقيق أو تنفيذ أهداف معينة، فلابد لك من أن تُقِيمَ هيكلًا مناسبًا تتكامل وظائفه وتتعاون لكى تؤدي فى النهاية إلى تحقيق تلك الأهداف0
وعلى ذلك فنقطة البداية هى تحديد الوظائف المختلفة وتوصيفها (أى وصفها ) فكل وظيفة لها مواصفات معينة لابد من تحقيقها حتي تستطيع – بواسطة شاغلها بداهة – أن تؤدي الجزء المطلوب منها فى الهيكل التنظيمي (الوحدة).
فإذا انتهينا من تصور الوظائف المختلفة بمواصفتها، فإنه يجب أن يتم ترتيبها سواءً من حيث تسلسلها فى المستويات المختلفة من التنظيم أومن حيث تقسيمها إلى مجموعات مختلفة بحسب نوعها، والعملية التالية للترتيب؛ هى أن نُقَيّم هذه الوظائف أى نُحدد المعاملة المالية بالنسبة لها من حيث الراتب وتدرجه0
وعلى أساس تحديد الوظائف بالشكل السابق، يتم شغلها بالموظفين الذين تتوافر فيهم شروطها وفقًا لبطاقات الوصف الوظيفي المُعدة لهذا الشأن، والمتضمنة موقع الوظيفة من الهرم الوظيفي للجهة وشروط شغلها والمهام الموكلة لها0
ولازال موقع الوظيفة فى الوحدة وفقًا للشكل التقليدي للوحدات العامة هو السائد، وهو الشكل الهرمي؛ حيث تكون الوحدة على شكل هرم فى قمته الرئيس الإداري، ثم تتدرج المستويات والمسئوليات وتتسع كلما اقتربنا من قاعدة الهرم.
والمقصود من هذا الشكل الهرمى هو أن تتدرج السلطات والمسئوليات من حيث مداها وأهميتها نزولًا من قمة الهرم إلى قاعدته، وهذا هو ما يطلق عليه أسلوب التدرج فى المسئوليات أو السلم الإداري، والمقصود به أن للسلطة إصدار الأوامر والتوجيهات الواجبة التنفيذ فى معناها المبسط بتدرج، فكلما اقتربنا من قمة الهرم، كلما ازدادت السلطة وتركزت واتسع مداها لتشمل كل مستويات أو درجات الهرم الأخرى، وكلما اقتربنا من قاعدة الهرم كلما حدث العكس، ويتم تصور هذا التدرج بتقسيمه إلى مستويات مختلفة، وأقرب تقسيم يتبادر إلى الذهن هو تقسيم الشكل الهرمي إلى:
أ- مستوى الإدارة العليا0
ب- مستويات الإدارة الوسطى0
جـ- مستويات الإدارة الدنيا أو التنفيذية.
ولاشك أن هذا التدرج في المستويات – بما يحمله من التدرج فى السلطة والمسئولية – يعتمد على ضرورة الطاعة الوظيفية من المستوى الأدنى للمستوى الأعلى، وذلك فى حدود التعليمات واللوائح المقررة بالوحدة، وفى نطاق القوانين المعمول بها فى الدولة بصفة عامة.
وقد إزداد هذا البُنيان السُلّمِي للوظيفة العامة، وتضخم معه الجهاز الإداري للدولة لاسيما مع زيادة عدد الموظفين فيه خلال فترات طويلة من تاريخه، والذي كان ولازال أهم المعوقات التي تواجه عملية تطويره.

أخيرًا… وبعد استعراض البُنيان السُلّمِي للوظيفة العامة، فالسؤال الآن ما هي أهم ملامح تضخم الجهاز الإداري للدولة كأحد أهم المعوقات التي تقف حجر عسرة في مواجهة استكمال عملية تطوير الجهاز الإداري للدولة؟ وهو ما سوف نستعرضه في الحلقات القادمة إن شاء الله تعالي.

زر الذهاب إلى الأعلى