مقالات الرأى

د محمد عبد الرحيم البيومي يكتب: ولنا في الأمل حياة

متابعات يوتوبيا

إذا كان استشراف المستقبل وصنع أبجدياته من مضامين استراتيجيات التخطيط في علم الإدارة الحديث ،فلنا أن نسميه بلغة الإنسان أملا يلبس الخيال رداء الواقع والمستحيل ثياب الممكن.

 

ومما لاشك فيه أن هذه النظرة المستقبلية هى التى تصنع الإنسان وتجعله لا يتمركز فى محور ذاته وواقه بل يتعلق بأهداب الحق وقسمات الأمل موقنا أن من يتهيب صعود الجبال يعش أبد الدهر بين الحفر، فلا مكان في حياة مؤمن ألقى عصى التسيار في رحاب ربه لمقولة مؤداها( لاتقل لي في غدٍ موعدنا، فالغد الموعود ناءٍ كالنجوم).

وبهذا تكون صناعة الإنسان والمنجزات استشرافا لغيب باسم كائن فى قدر الله وسواعد الرجال أسباب لقدر لله.نكدح فى طلبه بيقين راسخ فى سنن كونية لا تتخلف عنوانها (إنا لا نضيع أحر من أحسن عملا)وعنوانها كذلك (ما تيسر أمر أنت طالبه بنفسك، وما تعسر أمر أنت طالبه بربك) .هنا تبحر سفينة الحياة فى بحر الجود ،تطلب العون والتيسير من الواحد المعبود ؛موقنة أن الأمل الذى تحيا به ولأجله حلم جميل تعلق الإنسان بأهدابه قبل أن تأتى الحياة، وخيال عشقه في ضمير الغيب سراً لا يراه، وإشراقة للنفس بنور باريها تبدد من الليل ظلامه ودجاه، وطمع في غد أفضل يطلبه الإنسان ويتمناه، فإن ضاقت النفس بآمالها ففي رحمة الله سعة لما تشتهيه وتهواه.

 

في ضوء ذلك أمكن أن نقول: إن الأمل في مجمل معناه يدور حول انشراح النفس في وقت الأزمة والضيق، فيرنوا الإنسان إلى يسر وفرج لما أصابه، ويندفع إلى إنجاز ما فشل فيه دون ملل أو كلل حتى يصبح المحال ماثلاً على أرض الواقع، وإذا كان أحد الفلاسفة قد ادعى أن الغد الذي يحمل الأحلام والآمال لا ينتظر أن يأتي أبداً أو كما قال شاعرنا الكبير ناجي في قصيدته انتظار: (فالغد الموعود ناء كالنجوم).

فإن هذه الرؤى والآراء اليأسية لا وجود لها في مفردات الإسلام أو كلمات قاموس، لأن المؤمن يوقن أن الغد الذي يحمل الأمل لا سلطان لأحد عليه سوى الرحمن الرحيم الكريم، ومن ثم فإنه يؤمن أنه ما بين طرفة عين وانتباهتها يبدل الله من حال إلى حال (أليس الصبح بقريب)، ومن ثم ندرك مغزى خطاب الله تعالى لخلقه وعباده في القرآن الكريم بصيغة المستقبل، تلك الصيغة التي تعنى في معناها التطلع إلى رحمة الله سبحانه وتعالى، وثوابه ورضوانه والتي تجعل المحال ممكناً، والبعيد قريباً، والممتنع حقاً وواقعاً.

نفس الإنسان

وبهذا يتكون الأمل الذي بسيطرته على نفس الإنسان يكون فيها سحراً يخرجها من حلق الضيق إلى رحابة الفرج واليسر، ومن ثم يكتب للحياة الاكتمال والاستمرار. وبرسوخ الأمل في النفوس من خلال كلمات الله تعالى المستقبلية الواعدة في كتابه الكريم يكون الصبر على البلاء، والقوة أمام الشدائد والمحن لأن الأمل يمثل فى هذه الحال الشراع الممتد من الإنسان نحو علام الغيوب.

 

إذاً فصيغة المستقبل (التي تعنى الأمل في القرآن الكريم) تظل قائمة ومعلنة حتى يرث الله الأرض ومن عليها، وتمثل يقيناً بطوق النجاة من الله الذي يبدل به خوف الإنسان أمناً، وحزنه سروراً وفرحاً. والأمل في حد ذاته هو خلق الأنبياء به نهضت دعوتهم وامتد نورها عبر الزمان والمكان دون يأس أو ضيق مهما كان الإعراض والأذى والنفور. ألم تر إلى نوح عليه السلام وقد أخذ يدعوا قومه إلى طريق الله ألف سنة إلا خمسين عاماً لم يترك طريقاً إلا سلكه في دعوته، حتى قال الله تعالى في حقه (قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلا وَنَهَارًا فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلاَّ فِرَارًا وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا) «نوح 5 – 9. لقد دفعه الأمل أن يتحمل إعراضهم في هذه السنين الطوال رغبة في أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله ويوحده.

 

الثقة في الخالق

ويعلمنا أنبياء الله تعالى أن أمل الإنسان في الله مقرون بثقة الإنسان في خالقه ومولاه، ألم تر موسى عليه السلام وقد نظر من خلفه فإذا بفرعون وجنوده، وينظر من أمامه فإذا بموج البحر يلاطم بعضه بعضاً، وهنا تختلف الرؤى والمقاييس بين نفوس أخلدت إلى الأرض «بنو إسرائيل» ونفس موسى عليه السلام التي امتلأت ثقة بالله سبحانه فيقول بنو إسرائيل (إنا لمدركون)، ويقول موسى بمنطق الثقة والأمل في المستقبل (كلا إن معى ربى سيهدين) ثم تكون مكونات تحقيق الأمل التي يقول الحق سبحانه وتعالى عنها (فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِب بِّعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الآخَرِينَ وَأَنجَيْنَا مُوسَى وَمَن مَّعَهُ أَجْمَعِينَ ثُمَّ أَغْرَقْنَا الآخَرِينَ) «الشعراء، 63 – 66». ويأتي نبي الله يعقوب ليعلم الإنسان كيف يصنع الأمل بذات الإنسان التي ينبغي أن تخلد إلى الله دون يأس أو قنوط، فيقول لأبنائه وقد ابتلى بفقد ولديه يوسف وبنيامين (يَا بَنِيَّ اذْهَبُواْ فَتَحَسَّسُواْ مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلاَ تَيْأَسُواْ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ) «يوسف 87». وينظر المفسرون إلى هذه الآية الكريمة فيرون ما فيها من حياة وأمل للقلوب والنفوس فيقولون إن الروح هو ما يجده الإنسان من نسيم الهواء وبرده حتى يسكن إليه، ويرون كذلك أن تركيب الواو والراء والحاء (روح) تركيب يفيد الحركة والاهتزاز، ولا يكون ذلك إلا عند انشراح روح الإنسان وانبساطها بالأمل في رحمة الله، ومن ثم قال ابن عباس وقتادة وابن زيد «لا تيأسوا من روح الله» أي رحمته وفضله وفرجه، ولا شك أنها كلها ألفاظ شريفة تتناسب مع الأمل ومعناه، ومن ثم يروى عن ابن عباس قوله «إن المؤمن من الله على خير يرجوه في البلاء ويحمده عند الرخاء».

رحمة الله

 

بذلك نظر العلماء إلى هذه الآية الكريمة في سورة يوسف وقالوا إن اليأس الذي هو ضد الأمل ونقيضه في حقيقته ومعناه قنوط من رحمة الله ولا يحصل ذلك إلا إذا اعتقد صاحبه بأن الحق سبحانه غير قادر على كشف ضره، أو غير عالم بما نزل بالإنسان من بلاء، أو ليس بكريم لأنه يمنع عطاءه عنه، وكل واحد من هذه الثلاثة كبيرة لا يجوز أن يعتقدها الإنسان في خالقه ومولاه، ومن ثم قرر العلماء أنه إذا كان اليأس لا يحصل إلا عند وجود أحد هذه الثلاث -وكل واحد منها كبيرة- ثبت أن اليأس لا يحصل إلا من أصحاب الكبائر.

 

وإذا أتينا إلى خاتم الأنبياء والمرسلين صلوات الله وسلامه عليه نجد دعوته، وقد قامت على الأمل المرتبط بثقة الإنسان في باريه سبحانه، ولك أن تتأمل معى قول الحق سبحانه (سيهزم الجمع ويولون الدبر)، لقد نزلت هذه الآية والمسلمون في مكة في أحلك لحظات الكرب والضيق تبث في النفوس أملاً في غد أفضل وثقة في أن نصر الله قريب، ولذلك كان يقول عمر رضى الله عنه «لم أكن أعلم أي جمع هذا حتى حدثت واقعة بدر». وتأتى حادثة الهجرة لتكون مشحونة في أحداثها بكل معاني الأمل والثقة في خالق القوى والقدر. وننظر إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو يودع ديار مكة دامعاً وقائلاً «والله إنك لأحب بلاد الله إلى الله وأحب البلاد إلى نفسي ولولا أن أهلك أخرجوني منك ما خرجت»، فتنزل آيات القرآن الكريم لتبث الأمل في النفوس وتثبت القلب المكلوم، فيقول الحق سبحانه مخاطباً نبيه ومصطفاه (إن الذي فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد)، وينطلق الركب المبارك المكون من النبي وصاحبه يحدوه ثقة وأمل في نصر الله، ويبيت الرفيقان في الغار وتصل عصبة الشرك إلى أعتابه فيقول الصديق: يا رسول الله والله لو نظر أحدهم تحت قدميه لرآنا. فيقول النبي صلى الله عليه وسلم وقد نسج من خيوط الأمل برداً غلف به قلب صاحبه: يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما، يا أبا بكر لا تحزن إن الله معنا.

ركب النور

 

ويسير ركب النور في طريقه فيلحق به سراقة بن مالك فيقول له النبي صلى الله عليه وسلم مبشراً إياه بأمل ووعد ينجزه الله تعالى بعد عشرات السنين في عهد عمر بن الخطاب: ارجع ولك سواري كسرى . ويسرى الأمل عبر الزمان كلمات ومعان ويلبس عمر وقد فتح الله عليه بلاد فارس والروم سواري كسرى لسراقة ويجعله يطوف بهما في طرقات المدينة ليعلم المسلمون بأن الله تعالى أنجز لنبيه ما وعد ولتكون عبرة للمؤمنين بأن الحياة بلا أحلام وآمال إنما هى فى حقيقتها موات لا يرضاه الإسلام لأتباعه بل لا يرضاه للإنسانية بأسرها. وتذهب القصة وتبقى العبرة في أن النبي صلى الله عليه وسلم في أشد لحظات الضيق لم يبارح الأمل نفسه في النصر والتمكين (وعد الله إن الله لا يخلف الميعاد).

 

وبعد فإن الأمل هو حياة النفوس، ولولاه كما قيل ما بنى بان بنيان ولا غرس غارس شجراً وإذا الأمل ينمى الطموح والإرادة فإن اليأس يقتلهما في نفس الإنسان وذاته ولا مجال لليأس مع تعاليم الإسلام وتشريعاته (إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون)، وما أجمل ما قال القائل:

أعلـل النفـــس بالآمـــال أرقبهــا

ما أضيق العيش لولا فسحة الأمل.

 

 

بقلم – أد. محمد عبد الرحيم البيومى:

عميد كلية أصول الدين جامعة الأزهر

زر الذهاب إلى الأعلى