أخبار ومتابعات

د فايد محمد سعيد يكتب: ذو القرنين من سلسلة: عندما يكون المستحيل هو الحل

متابعات يوتوبيا

بعد أن علمنا القرآن أن الإيمان يُصقل في المحن، وأن الوفرة تكشف معدن القلوب، وأن الحكمة تتطلب الصبر على الغيب، يخبرنا عن ابتلاء أرفع، وأشدّ، وأعظم خطورة: القوة التي توضع في أيدي البشر.

هنا، ليس الحديث عن التاريخ أو الجغرافيا، بل عن الروح البشرية حين تلتقي بالسلطة المطلقة، والعقل حين يواجه امتداد النفوذ على الأرض، والقلب حين يُختبر بالعدل والرحمة والحكمة في زمن القوة.

يبدأ القرآن بالإشارة إلى ذو القرنين:
﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ…﴾ (الكهف: 83).

إنه الرجل الذي وهبه الله سلطانًا شاملاً، وقدرةً على الحركة والهيمنة، ومصادر قوة لا تبلغها العقول بسهولة، رمز للاختبار الإلهي في امتلاك النفوذ، وقياس معدن النفس أمام وسوسة السيطرة والغرور.

السلطة امتحان لا تكريم

يقول تعالى:
﴿إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا﴾ (الكهف: 84).

مكَّن.
هيأ.
وهّب.

لكن السؤال الأصعب: كيف يظل إنسان مستقيمًا، متواضعًا، عادلًا، وأخلاقيًا في حضرة هذه القوة الواسعة؟
تاريخ السلطة يعلمنا أن القوة تُسكر النفوس، وأن النفوذ يضلّل البصيرة، وأن الهيمنة قد تُعمي القلب.
أما ذو القرنين، فقد كشف سرّ التوازن:
﴿فَمَنْ أَظْلَمَ فَنُعَذِّبُهُ وَمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاءٌ حَسَنٌ﴾ (الكهف: 87–88).

العدل بلا قسوة، السلطة بلا استبداد، القوة تتذكر مرجعها، والنفوذ يظل مشدودًا بالرحمة والحكمة.

الرحلات: من مغرب الشمس إلى مطلعها

يسرد القرآن رحلاته الثلاث:
• إلى حيث تغرب الشمس.
• إلى حيث تشرق الشمس.
• إلى قومٍ بين جبلين.

ليست هذه مجرد تحركات مكانية، بل رموز لتوسّع السلطة، وتمدد التأثير، واختبار النفس في كل حدود الأرض، من أقصى الأطراف إلى أعماق المجتمعات البشرية.
وفي كل محطة، كان ذو القرنين يقيس الموازين، يوازن بين القوة والرحمة، بين الحزم والحكمة، بين التنفيذ والعدل.

المستحيل هنا: التنقّل عبر الأرض، وإدارة الأمم، دون أن تتحول السلطة إلى غرور، أو النفوذ إلى استبداد، أو الإنجاز إلى استعلاءٍ على القلوب.

الصرخة من أجل الحماية: يأجوج ومأجوج

في رحلته الثالثة، وجد قومًا مهددين بقوى مدمرة تعرف بيأجوج ومأجوج، فطلبوا منه:
«أَنَجْعَلَ لَكَ جَزْرًا تُقِيمُ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُم؟» (18:94).

هنا يكشف القرآن سرّ القيادة الصالحة: رفض استغلال السلطة أو المال المقدم، وإدراك أن النفوذ أمانة ومسؤولية قبل أن يكون امتيازًا. فأجاب ذو القرنين:
«مَا مَكَّنَّنِي رَبِّي خَيْرٌ» (18:95).

كل كلمة تحمل درسًا أخلاقيًا عميقًا: القيادة ليست لتحقيق المكاسب، بل للحفظ والرعاية، ليست للسيطرة بل للأمانة، ليست للتسلط بل للعدل.

الهندسة المستحيلة: القوة المتواضعة

أمر بجلب الحديد، ورفع الطبقات بين الجبال، وصب النحاس المنصهر، فظهر حاجزٌ لا يُخترق.
وعند اكتماله، لم ينسب النجاح لنفسه، ولم يتفاخر بالذكاء أو الاستراتيجية، بل قال:
﴿هَذَا مِن رَحْمَةِ رَبِّي﴾ (18:98).

المعجزة الحقيقية: إنجازٌ يذل الغرور، وقوة تتواضع، ونفوذ يتذكر أصله، وقدرة تدرك أنها أمانة قبل أن تكون امتيازًا.

الدرس العميق: الاختبار الروحي للسلطة

إذا علمنا أن أصحاب الكهف اختبروا الإيمان بلا وسائل، وأصحاب الجنتين اختبروا التواضع في الثروة، فإن ذو القرنين يعلمنا: العدل والرحمة هما ميزان القوة الحقيقي.
المستحيل هنا ليس بناء الحاجز، بل الحفاظ على نقاء القلب، ونقاء الروح، واستقامة النفس، بينما تتسع الأرض تحت نفوذه، ويزداد التأثير امتدادًا وانتشارًا.
• القوة ليست دليلًا على التفوق.
• الهيمنة ليست دليلًا على الأفضلية.
• السلطة لا تعفي من المسؤولية والمحاسبة.

ذو القرنين يمثل: القوة عطاء، السلطة مسؤولية، الإنجاز رحمة.

التحذير النهائي: حتى الحواجز زائلة

بعد بناء الحاجز، يذكر القرآن:
﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكًّا﴾ (18:98).

حتى أعظم إنجازاته مؤقتة، وأقوى بنيانه قابل للزوال. الاعتراف بالزوال يؤكد التواضع، ويذكر بأن كل شيء يعود إلى الله مهما علا شأنه.

أعظم درس: السلطة أمانة

قصة ذو القرنين تخاطب كل قائد، معلم، ولي أمر، أو صاحب نفوذ:
1. القوة ليست امتيازًا، بل امتحان للروح.
2. العدل هو أساس كل سلطة.
3. المال المقدم للقيادة اختبار، لا حق مكتسب.
4. الإنجاز يجب أن يعود فضله إلى الله.
5. كل بناء، سياسي أو اجتماعي أو شخصي، زائل.

الحاجز الذي أقامه ذو القرنين كان عظيمًا، لكن الحاجز الأكبر كان داخليًا: بين القوة والغرور، بين النفوذ والرحمة، بين السيطرة على الآخرين والسيطرة على النفس.

الخاتمة: القوة عبادة قبل أن تكون امتيازًا

أصحاب الكهف علمونا الإيمان بلا وسائل، أصحاب الجنتين علمونا التواضع في الوفرة، موسى والخضر علمونا الصبر مع الغيب، وذو القرنين علمنا الاستقامة في القوة، والعدل في النفوذ، والتواضع في الإنجاز.

في كل قصة، الحل المستحيل يتحدى المنطق البشري، ويكشف عمق الحكمة الإلهية.
والحل المستحيل هنا: أن تحمل العالم بين يديك دون أن يسيطر على قلبك، وأن تمتلك القوة دون أن تفقد تواضعك، وأن تكون سلطتك أمانة قبل أن تكون امتيازًا.

عندما يمنحك الله القوة، تذكر مصدرها.
عندما يمنحك النفوذ، تذكر الحساب.
فالعظمة لا تُقاس بما تسيطر عليه، بل بمدى عمق سيطرتك على نفسك، ووعي قلبك بمسؤوليتك أمام الله

زر الذهاب إلى الأعلى