أخبار ومتابعات

د. فايد محمد سعيد يكتب: الذكاء الاصطناعي ولسان العصر: قراءة شرعية في دور مصر الريادي وصناعة المفتي الرشيد

متابعات يوتوبيا

 

مدخل قرآني لتأصيل الاستخدام الرشيد

استقيت هذا المدخل من توجيه أحد العلماء – حفظه الله – في استحضار المعاني القرآنية لتأصيل قضايا العصر. يقول الله تعالى:
﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ [إبراهيم: 4]، وهي قاعدة محكمة في البلاغ والدعوة، مفادها أن الرسالة لا تؤتي ثمرتها إلا إذا جاءت بلغة القوم وأدواتهم المعهودة في التواصل.

وفي عصرنا الحاضر، يمكن النظر إلى الذكاء الاصطناعي بوصفه “لسان العصر”، إذ أصبح أداة كونية جامعة لنقل المعرفة والتواصل، تجمع بين سرعة الوصول واتساع الانتشار، وتخاطب مختلف الشعوب بلغاتها وثقافاتها. ومن ثمّ، فإن على المفتي الرشيد أن يوظف هذه الوسيلة المعاصرة في خدمة البيان الشرعي، فيوجهها ويرشدها، ويغذيها بالمعلومة الصحيحة الموثوقة، لتكون خادمة للمقاصد، دافعة للمفاسد، محققة للمصالح.

دار الإفتاء المصرية: تاريخ عامر وريادة معاصرة

منذ تأسيسها في أواخر القرن التاسع عشر، اضطلعت دار الإفتاء المصرية بمسؤولية جسيمة في حفظ وحدة الفتوى وضبط مسارها، وفق منهج وسطي أزهري راسخ. وتميزت عبر تاريخها بقدرة على التكيف مع المتغيرات؛ فانتقلت من الفتوى المباشرة، إلى المكتوبة، ثم الرقمية، وها هي اليوم تفتح آفاق البحث في إمكانات الذكاء الاصطناعي لخدمة الفتوى.

وفي المؤتمر الدولي السنوي العاشر، جسدت الدار دورها الريادي، إذ جمعت نخبة من العلماء والخبراء لصياغة أطر علمية وأخلاقية تضبط استخدام هذه التقنية، محافظةً على هيبة الفتوى ومكانتها.

المفتي ودوره في العصر الرقمي

المفتي، في حقيقته الأصولية، ليس ناقلًا لمعلومة جامدة، بل مجتهد يزاوج بين فقه النصوص وإدراك الواقع. وفي زمن الذكاء الاصطناعي، تتعاظم مسؤوليته، فلا يكتفي بإجادة أدوات الفقه، بل يحتاج إلى وعي بتقنيات العصر، وإدراك لمخاطر الاعتماد غير المنضبط على النظم الآلية.

والمفتي الرشيد هو من يُخضع الذكاء الاصطناعي لرقابة علمية، ويستخدمه معينًا على بلوغ الحكم الشرعي، لا بديلاً عن الاجتهاد البشري المؤسس على الملكة الفقهية والخبرة الشرعية.

الأزهر الشريف: منارة الوسطية وحاضنة العلماء

لا ينفصل الحديث عن صناعة المفتي الرشيد عن ذكر الأزهر الشريف، الذي ظل لأكثر من ألف عام منارةً للعلم، ومركزًا لإعداد العلماء الجامعين بين الأصالة والمعاصرة. وقد أمدّ الأزهر الأمة بأجيال من المفتين الذين حملوا رسالة الوسطية، وكانوا سندًا للمؤسسات الإفتائية في مصر وخارجها، وهو النهج الذي تسير عليه دار الإفتاء المصرية، مستلهمةً روح الأزهر ورسالته.

قدر مصر في الريادة

شاء الله تعالى أن تكون مصر، عبر تاريخها، قلب العالم الإسلامي النابض، ومركزًا للحضارة والمعرفة الشرعية، وحصنًا للوسطية والاعتدال. وفي عصرنا الراهن، تؤدي دار الإفتاء المصرية، بقيادة سماحة مفتي الديار المصرية الأستاذ الدكتور نظير محمد عياد، دورًا متقدمًا على الساحة الدولية في تأصيل استخدام الذكاء الاصطناعي في الفتوى، ووضع المعايير الشرعية والأخلاقية التي تضبطه. وهكذا تبقى مصر – قيادةً ومؤسسات – قبلةً للعلم الشرعي الرشيد، ومصدر إلهام للمؤسسات الإفتائية في العالم الإسلامي.

زر الذهاب إلى الأعلى