د. فايد محمد سعيد يكتب: إبراهيم عليه السلام: حين سأل القلبُ الطمأنينة… فأراه الله القدرة بعين اليقين… سلسلة: عندما يكون الحلّ هو المستحيل – (٧)
مقالات للرأي

من بين اللحظات القرآنية التي تتجاوز حدود الزمان وتخترق أعماق النفس، تأتي هذه اللحظة التي يقف فيها الخليل — إبراهيم عليه السلام — أمام ربّه، ويقول سؤالًا لم يُطرح قبله ولا بعده بهذه الصيغة، سؤالًا لا يدلّ علىضعف، بل على شرف المعرفة:
﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى﴾
ليس “أتحيي الموتى؟”
فالإيمان بهذا أمر محسوم.
بل: كيف؟
سؤالٌ يطلب العلم، والطمأنينة، وكمال اليقين.
وهنا يظهر جمال القرآن:
الله لا يعاتب إبراهيم، ولا يوبّخه، بل يسأله سؤال المودّة:
﴿قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ؟﴾
فيجيبه إبراهيم بأدب الأنبياء:
﴿قَالَ بَلَى وَلَٰكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾
هذه العبارة وحدها مدرسة كاملة في فهم النفس البشرية:
الإيمان العقلي موجود،
لكن القلب يريد مشاهدة ترفع اليقين من مستوى “علم اليقين” إلى “عين اليقين”.
١. لماذا سأل إبراهيم هذا السؤال؟
لأن إبراهيم عليه السلام لا يسأل عن الشك، بل عن بناء المعرفة.
عرف الله بصفاته، برحمته، بربوبيته، بخلقه…
لكن أراد أن يرى القدرة وهي تعمل.
ففي القلب مناطق من الطمأنينة لا يملؤها إلا المشاهدة، حتى لو كان الإيمان قبلها كاملًا.
وهذا درس للمؤمنين:
أن طلب الطمأنينة ليس ضعفًا… بل هو شرف معرفة.
٢. الجواب الإلهي: تعليم لا يقبل الجدل
بعد سؤال إبراهيم، يأتي الجواب من الله، ليس كلامًا، بل منهجًا عمليًا:
﴿فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ﴾
خطوات عملية:
خذ أربعة طيور
اضممها إليك
قطّعها قطعًا
اخلط بعضها ببعض
اجعل أجزاءها على جبال متفرقة
ثم يأتي الأمر الأعظم:
﴿ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا﴾
إنه ليس إحياءً فقط…
إنه استجابة، حركة، وصول.
هكذا يتحوّل المستحيل إلى مشهد حيّ أمام إبراهيم.
٣. لماذا اختار الله الطيور؟
لأن الطيور رمزٌ لثلاثة أمور:
الحركة: فهي مخلوقات تتحرك بسرعة
الروح: حياتها مرتبطة بالروح الخفيفة
التفرق: يسهل أن تتشتت ثم تجتمع
ومع ذلك، حين تتفرق أجزاؤها، وتُدفن في الجبال، وتذوب هويتها…
تعود متجمعة، حيّة، طائرة.
إنها رسالة للعقل والقلب معًا:
أن قدرة الله تجمع ما تفرّق، وتحيي ما مات، وتعيد ما فُقد، مهما بَعُد.
٤. مشهد الإحياء: حين يتحرك الموت نحو الحياة
تخيّل — يا قارئ — المشهد كما رآه إبراهيم:
أجزاء ممزقة مبعثرة على أربعة جبال
لا شكل، لا حياة، لا نبض
مجرّد لحم وعظم وريش بلا روح
ثم يقول الله: ادعُهنّ.
فينزل إبراهيم صوته، فتبدأ المعجزة:
الأجزاء تتحرك
العظام تجتمع
اللحم يلتئم
الريش يعود
الأرواح تنفخ
والطيور تُبعث حيّة
ثم تأتيه سعيًا — أي تمشي، أو تطير نحوه مباشرة —
لتقول للعالم:
هكذا يكون إحياء الموتى.
لم تكن المعجزة هنا مجرد حدث…
بل كانت بيانًا لقدرة الله على إعادة تكوين الوجود من العدم.
٥. كيف يرتبط هذا بالمستحيل؟
لأن كل المقالات السابقة عرضت فرجًا،
أما هذا المقال فيعرض قدرة.
في قصة موسى: البحر ينفلق.
في قصة هاجر: الماء يتفجر.
في قصة زكريا: يولد الشيخ العقيم.
في قصة إبراهيم والنار: تتحول النار إلى برد وسلام.
لكن في قصة الطيور:
يُبعث الموتى.
ليس ما هو قريب من الممكن…
بل ما هو خارج الممكن كله.
وهنا يبلغ معنى “الحل المستحيل” قمته:
ليس فقط أن الله يغيّر الظروف…
بل يغيّر قوانين الكون نفسها.
٦. اطمئنان القلب… أعلى درجات الإيمان
حين رأى إبراهيم المشهد، لم يكن الهدف فقط إثبات قدرة الله، بل:
إزالة كل بقايا الهاجس النفسي
إعطاء القلب كمال الطمأنينة
رفع الإيمان من علم إلى مشاهدة
تعليم الأمة أن الإيمان درجات
لهذا قال العلماء:
“ليس كل مؤمن يصل إلى مقام إبراهيم في الطمأنينة، ولكنه يُسارِع إليه.”
وهذا الدرس مهم جدًا:
الإيمان ليس فقط تصديقًا… بل طمأنينة.
وقد يسأل القلب أحيانًا عن “الكيف”،
لا عن “القدرة”،
فيأتي الجواب من الله بما يليق بجلاله.
٧. ماذا يقول هذا المشهد للإنسان اليوم؟
يقول له:
إذا شعرت بالعجز… فالله يخلق لك قدرة.
إذا شعرت بالضياع… فالله يجمعك كما جمع أجزاء الطيور.
إذا شعرت أن حياتك مبعثرة… فالله يعيد ترتيبها.
إذا مات الأمل… فالله يحييه.
إذا قلت: لا يوجد طريق… فالله يصنع الطريق.
ويقول له قبل ذلك كله:
اطمئن… فالله أقرب مما تظن.
٨. لماذا يختم القرآن قصة الإحياء بقوله: “واعلم أن الله عزيز حكيم”؟
لأن الإنسان قد يقع في وهم:
إذا كان الله يقدر أن يحيي الموتى في الدنيا، فلماذا لا يفعل ذلك دائمًا؟
فيأتي الجواب:
﴿وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾
أي:
يفعل بقوته المطلقة ما يشاء — فهو العزيز
ويضع كل شيء في موضعه بحكمته — فهو الحكيم
المعجزات ليست اعتباطًا،
بل تعليمًا، وهدايةً، ومقاصد عالية لا يدركها إلا من عرف الله حق المعرفة.
٩. الخاتمة: حين يتجلى الله لعبدٍ من عباده
قصة إبراهيم مع الطيور ليست مجرد درس…
إنها مرآة الأمة كلها:
من تفرقت به الأيام… يجمعه الله
من مات أمله… يحييه الله
من ضعف قلبه… يطمئنه الله
من قال: رب، أَرِني… يريه الله
وهكذا يكتمل معنى السلسلة:
عندما يكون الحلّ هو المستحيل…
يصبح الله هو اليقين الكامل








