مقالات الرأى

د فايد محمد سعيد يكتب: أهل الكهف: حين يتحوّل الهروب إلى بقاء، والخوف إلى حفظ، والزمن إلى جسرٍ نحو الحقيقة

مقالات للرأي

من سلسلة: عندما يكون الحلّ هو المستحيل

١. مدخل القصة: شبابٌ آمنوا بربّهم فزادهم هدى

قصة أهل الكهف ليست قصة نوم طويل، ولا حكاية أسطورية تمتدّ في الخيال؛ إنها قصة الإيمان حين يشتدّ عليه الظلم، وحين لا يبقى أمامه سوى المستحيل.

هؤلاء الفتية لم يكونوا ملائكة، ولا أنبياء، ولا أصحاب كرامات ظاهرة…

كانوا شبابًا في مقتبل العمر، يعيشون في مجتمعٍ يعبد الأصنام، ويضغط عليهم الملك وأعوانه ليعودوا إلى دين آبائهم. لكن شيئًا في قلوبهم كان يرفض السجود لغير الله.

قال تعالى: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ ۚ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى﴾ إنه تعريف دقيق: فتية — شباب، فيهم حرارة الحياة، لكنّ الإيمان أثقل في ميزان قلوبهم من كل شيء.

كلّما ازداد التهديد، ازدادوا هدى. وكلّما ضاق عليهم الناس، اتّسعت لهم السماء.

لكن ماذا يفعل شابٌّ مؤمن أمام سلطة لا ترحم؟

أمام قوة لا يستطيع مواجهتها؟

أمام مجتمعٍ لا يسمح حتى بالتفكير؟

لم يكن أمامهم سوى خيارٍ واحد…

خيار يبدو كالمستحيل.

٢. القرار المستحيل: الهروب إلى كهف

لم يختاروا مدينة أخرى، ولا دولة أخرى، ولا قبيلة تحميهم.

لم يكن أمامهم إلا كهفٌ صغير في جبلٍ مهجور.

هل يمكن لعقلٍ بشري أن يتصوّر أن الكهف — هذا الفراغ الضيق — يمكن أن يكون حلًا؟

كيف يكون الكهف حمايةً من جيشٍ يملك الأرض؟

كيف يكون الظلام نجاة من ظلمٍ يحاصرهم في كل مكان؟

لكن الإيمان يرى ما لا يراه العقل المجرد.

والفتية قالوا بكل صدقٍ: ﴿إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا﴾

لم يطلبوا نصرًا، ولا ملكًا، ولا معجزة… طلبوا رحمة ورشَدًا. فالرحمة تفتح الأبواب المغلقة، والرشاد يجعل المستحيل طريقًا.

دخلوا إلى الكهف لا يعلمون ما سيجري.

لا خطة، ولا زاد، ولا خارطة.

دخلوا وفي قلوبهم دعاء واحد:

يا رب، دبّر لنا… فنحن لا نعرف الطريق.

وهنا يبدأ التحوّل العجيب…

٣. نومٌ لا يُصدَّق: الاستحالة التي صارت قدرًا

كان المستحيل أن يعيشوا في الخارج. وكان المستحيل أن يختبئوا طويلًا. وكان المستحيل أن ينام الإنسان ثلاثمئة سنة وتسعًا، ثم يستيقظ وكأن شيئًا لم يكن.

لكن الله — صاحب القدرة المطلقة — جعل المستحيل هو الطريق الوحيد للحلّ.

﴿فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا﴾ “ضربنا على آذانهم” — أي أغلقنا عليهم باب الوعي، باب الإحساس بالزمن.

النوم هنا ليس راحة، بل حفظ.

ليس فناءً، بل بداية جديدة.

وهكذا تحوّل الكهف إلى:

أهدأ سرير في التاريخ، وأعظم مخزنٍ للهوية، وأطول جسرٍ بين جيلين.

لكن لماذا جعلهم الله ينامون؟

ولماذا لم يُنقذهم بطريقة أخرى؟

لأن الله أراد أن يصنع معجزة تربّي أجيالًا كثيرة. كان في الأمة حينها خلافٌ حول البعث.

هل الإنسان يعود بعد الموت؟

هل يقبل العقل أن تُعاد الروح للجسد؟

فجاءت القصة لتقول: إن الذي يحفظ النائم ثلاثمئة سنة، قادر على أن يبعث الخلق يوم القيامة.

وهكذا صار المستحيل — النوم المُلكي الطويل — هو الدليل الأعظم.

٤. رعاية الله داخل الكهف: التفاصيل التي تصنع المعجزة

لم يتركهم الله لحظة.

فالذي اختار لهم الكهف، هو الذي رتّب لهم كل شيء:

١. الشمس تحرسهم

﴿وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَت تَّزَاوَرُ عَن كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ ۖ وَإِذَا غَرَبَت تَّقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ﴾

لم يدخل عليهم ضوءٌ يحرق، ولا خرجوا هم منه إلى ظلمةٍ تُهلك. الشمس صارت خادمة، تتحرك بإذن الله لتحفظ أجسادهم من التلف.

٢. الكهف مكانُ رحمة لا وحشة

المكان الذي يبدو مخيفًا صار: مهدًا، وسقفًا، وعنايةً، وسترًا.

هكذا يفعل الله: يحوّل المهجور إلى مأهول، والمخيف إلى مأمن، والضيق إلى اتساع.

٣. التقليب المنتظم

﴿وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ﴾

تفاصيل طبية معجزة…

كأن الله يقول للإنسان:

“أنتم تعتنون بالمريض ساعات، وأنا أعتني بأوليائي ثلاثمئة سنة… فلا تنسَ قدرتي.”

٤. الهيبة الربانية

﴿لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا﴾

كان فيهم نورٌ وهيبة، جعل الله من يراهم يهرب، حتى لا يقترب منهم أحد، وحتى تبقى المعجزة محفوظة. كل هذا يجري في الظلّ، بغير أن يشعروا. هكذا هي رعاية الله دائمًا: تعملَ في الخفاء، وتظهر في الوقت المناسب.

٥. الاستيقاظ: عودة الروح إلى سياق آخر

بعد ثلاثمئة سنة وزيادة…

فتح الله أعينهم. استيقظوا وهم يظنون أنهم ناموا يومًا أو بعض يوم. فالزمن الذي يحكم البشر لا يحكم الله. أرسلوا واحدًا منهم ليشتري طعامًا. وفي يده نقود قديمة جدًا. وحين وصل إلى السوق، أدرك الناس أن هذه العملات من عصرٍ مضى.

لقد تغيّر كل شيء:

الملك، المجتمع، الإيمان، القوانين…

وذلك الملك الظالم الذي كانوا يهربون منه مات، وذهب، وتحوّل الناس إلى التوحيد.

إنهم خرجوا من الكهف، فإذا العالم كله تغيّر نحو الحق!

خرجوا ليروا أن الدعوة التي كانوا يموتون من أجلها، صارت واقعًا.

هل يمكن أن يكون هذا حلًا؟

هل يمكن أن يكون النوم ثلاث قرونٍ حلًا سياسيًا، ودعويًا، وحياتيًا؟

نعم…

حين يُدبّر الله، يصبح المستحيل أيسر الطرق.

٦. لماذا اختار الله هذا النوع من المعجزة؟

لأن الأمة كانت تحتاج إلى برهان حسّي على البعث.

حاجة روحية، فكرية، وعقائدية.

وقد أعطاهم الله معجزة يمكن لعيونهم أن تراها، لا مجرد آية يسمعونها.

ثم لأن الإيمان ليس دائمًا مواجهةً بالسيف أو الكلمة…

أحيانًا يكون الانتصار في الانسحاب المؤقت.

الله هو الذي قال لموسى: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ﴾

والفرار هنا كان حركة أهل الكهف؛ فرارًا لا هزيمة فيه، بل نجاة.

٧. الدرس الأعظم: سرّ التحوّل من الخوف إلى نور

قصة أهل الكهف ليست درسًا في التاريخ، بل درس في الحياة اليومية لكل مؤمن:

١. حين تضيق عليك الدنيا، لا تستهنّ بالخيارات الصغيرة

كهف صغير يغدو قصرًا من عناية الله.

٢. حين تسقط الحلول المنطقية، لا يعني أن الحلّ غير موجود

هناك حلول خارج معادلة العقل، لكنها داخل قدرة الله.

٣. المستحيل ليس حقيقة، بل زاوية نظر

أهل الكهف لم يكونوا أقوى من الملك، لكن الله أقوى من الجميع.

٤. الزمن بيد الله، وليس بيد البشر

ناموا ثلاثمئة سنة، وظلّوا فتية.

وكأن الله يقول: “لا تشغلوا أنفسكم بالزمن… إنّه عبدي.”

٥. الإخلاص يصنع المعجزات

لم يطلبوا مجدًا ولا شهرة.

طلبوا السلامة لدينهم، فجعل الله قصتهم آية يتلوها البشر إلى يوم القيامة.

٨. خاتمة: حين يكتب الله القصة بدلًا عنك

خرج الفتية من بيوتهم هاربين، فدخلوا كهفًا ضيّقًا، فخرجوا بعد قرونٍ آيةً من آيات الله.

هذه هي قوانين السماء:

  • الهارب يُحفَظ
  • والخائف يُطمأن
  • والضعيف يُقوّى
  • والمستحيل يُفتح
  • والزمن يُعاد تشكيله

قصة أهل الكهف تقول لكل إنسان اليوم:

“إذا وصلتَ إلى بابٍ مغلق، فلا تنسَ أن الله يملك مفاتيح ليست عند البشر.”

“وحين ترى المستحيل أمامك، تذكّر أنه الطريق المفضل عند الله لفتح أبوابٍ عظيمة.”

زر الذهاب إلى الأعلى