
أحيانًا تأتي الهداية من حيث لا نحتسب، وتأتي في صورة لا تخطر على بال. في عام 2020، وفي خضم أزمة كورونا، روى لي أحد الشخصيات الفكرية في بريطانيا حادثة غريبة عن نفسه. قال: “كان عيد ميلادي يقترب، وأراد والدي أن يقدم لي هدية. ولأنه يعرف أنني قارئ نهم، اقترح كتابًا. فقالت أمي: أظن أنه قد قرأه. اقترحت كتابًا آخر، فرد والدي: أظن أنه قرأه أيضًا. وبعد نقاش طويل توصلا إلى أن الكتاب الوحيد الذي لم أقرأه هو القرآن الكريم. وهكذا أهداني أبي نسخة من القرآن.”
ضحكنا يومها على غرابة الموقف، وأخذناه كمزحة، لكنه أضاف قائلًا: “لكنني قرأت القرآن كاملًا، لا مرة واحدة بل ثلاث مرات، قراءة نقدية متفحصة.”
مرت شهور حتى جاءني هذا الرجل في فبراير 2022، يحمل أسئلته الكبيرة. كلما أجبت عن سؤال، طرح آخر أعمق، فتحولت لقاءاتنا إلى حوار مفتوح ممتد. وأشهد أن تلك الفترة كانت من أجمل أيام حياتي؛ فقد أعادتني إلى البحث والمراجعة وسؤال العلماء. لقد ذكّرتني أن القرآن لا يُقرأ مرة واحدة ثم يُغلق، بل هو كتاب يتجدد عطاؤه مع كل قراءة وتدبر.
ثم جاءت اللحظة الفارقة في يوليو 2022: جلسنا في مكتبي، وهناك نطق بالشهادتين عن اقتناع كامل ويقين راسخ. لم يكن الأمر عاطفة عابرة ولا تقليدًا اجتماعيًا، بل ثمرة رحلة طويلة من القراءة النقدية المتأنية. بعد ذلك نزلنا معًا إلى المسجد، وأخبرت المصلين بقصته، وقلت لهم في تلك اللحظة: “اليوم فهمت قول الله تعالى: ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾ [محمد: 38].”
ما كان لي أن أفهم عمق هذا المعنى إلا وأنا أرى رجلًا لم يولد مسلمًا، لكنه دخل الإسلام عن قناعة راسخة، وبعد أن قرأ كتاب الله ثلاث مرات قراءة نقدية، حتى قاده ذلك إلى الشهادة عن علم ومعرفة ويقين.
القرآن كتاب الهداية
لقد كان هذا الموقف شاهدًا حيًا على صدق قول الله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ [الإسراء: 9]. فالقرآن ليس كتاب تاريخ ولا نصوصًا وعظية فقط، بل هو كتاب هداية يرسم للإنسان الطريق الأقوم في العقيدة والعبادة والأخلاق.
ولهذا وصفه الله في مطلع سورة البقرة بقوله: ﴿ذَٰلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾. فهو الكتاب الذي لا تنقضي عجائبه، ولا تنتهي معانيه.
التدبر لا التلاوة وحدها
لكن الهداية لا تتحقق بمجرد التلاوة. القرآن نفسه يذكّرنا: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد: 24]. التدبر هو المفتاح، والتفكر هو الجسر الذي يعبر بنا من ظاهر النص إلى عمق المعنى.
الرجل الذي رويت قصته لم يقرأ القرآن تلاوة عابرة، بل قراءة نقدية متفحصة. ربما لم نتفق مع كل أسئلته، لكن قيمة أسئلته أنها أعادتني إلى القرآن بروح جديدة، وأثبتت أن هذا الكتاب العظيم يظل منبعًا للهداية لمن يقرأه بعين الصدق والبحث.
أعظم هدية
حين أهدى له والده القرآن، لم يكن يقصد أن يهديه الدين، وإنما كتابًا لم يقرأه من قبل. لكنه من حيث لا يشعر قدّم له أعظم هدية يمكن أن تُهدى لإنسان. لقد كان القرآن بالنسبة إليه “الكتاب الوحيد الذي لم يقرأه”، فإذا به يصبح الكتاب الذي غيّر حياته كلها.
وهنا يبرز السؤال: كم من بيوت المسلمين تعلو فيها المصاحف على الرفوف دون أن تُفتح؟ وكم من مسلمين يملكون القرآن في كل مكان حولهم لكنهم لم يقرأوه بتدبر وتفكر؟
دعوة للتأمل
القرآن الكريم ليس كتابًا جامدًا، بل كتاب حيّ يخاطب كل جيل بلغة أسئلته وتحدياته. إنه يهدي للتي هي أقوم، يربط الإنسان بالله، ويمنحه بوصلة واضحة في عالم يموج بالتيه.
هذه القصة تؤكد أن الهداية ليست حكرًا على أحد. قد تُفتح أبوابها في لحظة لم نتوقعها: بهدية عابرة، أو بسؤال صادق، أو بحوار عميق. لكن الشرط أن نفتح قلوبنا للتدبر، وأن نرفع الأقفال عن قلوبنا.
إننا نحن المسلمين بحاجة إلى أن نعيد اكتشاف القرآن من جديد: لا كتلاوة فقط، بل ككتاب هداية وفكر وتأمل. وحين نفعل ذلك سندرك سر قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾، وسنعرف أن أعظم هدية في حياتنا ليست كتابًا من كتب البشر، بل كتاب الله الذي بين أيدينا.









