Uncategorized

د فايد محمد سعيد يكتب : عندما يكون الحلّ هو المستحيل – أمُّ موسى عليه السلام: حين تصبح الأمواج مهدًا، ويصبح الخوف سببًا للأمان (10)

متابعات يوتوبيا

 

في قلب كل أمٍّ حبّ، وفي قلب أم موسى معجزة.

إنها القصة التي تبدأ بالخوف… وتنتهي بالنبوة.

وتبدأ بالضعف… وتنتهي بالقوة.

وتبدأ بامرأة مجهولة… وتنتهي بإنقاذ أمة كاملة.

هي القصة التي تجتمع فيها أغرب الأوامر، وأعجب الوعود، وأعمق الطمأنينة.

لقد لخّص القرآن مشهد الابتلاء كله في كلمات قليلة، لكنها تحمل تاريخًا من العناية:

﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ أُمِّ مُوسَىٰ أَنْ أَرْضِعِيهِ﴾

١. بداية القصة: أمرٌ عجيب… وأمٌّ ترتجف

أول ما تقوله السماء لأم موسى هو:

أرضعيه.

كلمة واحدة… تحمل معاني الحنان والربط والعاطفة.

لكنها أيضًا تحمل إشارةً أولى:

أن هذا الرضيع سيُنتزع لاحقًا من حضنها،

ولذا كان لابد من لحظة حنان تمنحه قوة البداية.

ثم يأتي الأمر الثاني… الذي يكسر المنطق كله:

﴿فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ﴾ يا الله!

هل يكون علاج الخوف… الإلقاء في البحر؟

هل يكون باب النجاة… ترك الطفل للتيارات؟

هل يكون حفظ الرضيع… بوضعه في الماء؟

إنه أمر لا يفهمه عقل الأمهات،

لكنه يُفهم فقط بعقل السماء.

في العادة:

إذا خفت على طفل… تضمّه.

أما في منهج الله:

إذا خفت عليه… اتّبع أمره، ولو خالف منطق البشر.

٢. منطق السماء: حين يكون الخطر في البقاء… والأمان في البحر

قد لا تدرك الأم حينها أن أخطر مكان لموسى هو حضنها،

وأن أأمن مكان له هو البحر!

وأن يد فرعون أقرب إليه من الظنون،

لكن يد الله أقرب من الخوف.

وهكذا يتبين الدرس:

قد يكون طريق النجاة أبعد طريق تتخيله،

وقد يكون طريق الهلاك أقرب الطرق ظاهراً.

إن هذا هو قلب السلسلة:

عندما يكون الحلّ هو المستحيل.

٣. بعد الأوامر… النهيان

ليكتمل المشهد، تأتي كلمتان من رحمة الله،

كلمتان لو قيلتا لقلوبنا في الشدائد لتغيّر كل شيء:

 

﴿وَلَا تَخَافِي﴾
﴿وَلَا تَحْزَنِي﴾

الخوف: على المستقبل

الحزن: على الماضي

فجمع الله لها الطمأنينة من الجهتين.

هذا هو المنهج التربوي الإلهي:

لا تخافي ممّا سيأتي
ولا تحزني مما فات

وما بينهما…

يقين بأن الله معك.

 

٤. وعدٌ من السماء… لا يشبه الوعود

بعد الأوامر، وبعد النهيين، يأتي الوعد الرباني:

﴿إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ﴾

وعدٌ لا يملك أحد في الأرض أن يكتبه،

ولا يقدر أحد أن يضمنه،

ولا يستطيع ملك ولا جبار ولا حاكم أن يحققه.

لكن الله وعد.

وإذا وعد الله… انتهى الأمر.

ثم يأتي الوعد الثاني، الأعجب، الأعلى:

﴿وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾

لم يكن وعدًا بالعودة فقط،

بل وعدًا بالمستقبل، بالرسالة، بالسموّ،

وأن هذا الرضيع الذي يُلقى في البحر،

سيعود نبيًا يقف أمام فرعون نفسه.

 

أي قصة هذه؟

وأي قلب يستطيع احتمالها؟

وأي سلسلة أعظم من هذه لإثبات أن “الحل المستحيل” هو منهج السماء؟

 

٥. التنفيذ: حين يصبح الإيمان في يد امرأة أعظم من جيش فرعون

وضعت الأم طفلها في التابوت.

ربطته جيدًا.

حملته نحو النهر.

أغمضت عينيها وربما قلبها.

ثم ألقت ولدها في الماء.

كان الماء يجري نحو قصر فرعون…

لكن هذا هو عين التدبير الإلهي:

أن يذهب موسى إلى المكان الذي يُراد له الموت فيه… ليكون فيه حياته.

 

فإذا بالموج يسوق التابوت إلى أبواب فرعون،

وتستقبله زوجته آسية بنت مزاحم،

فيلين قلبها له،

وتقول الكلمة التي غيّرت المسار كله:

 

﴿قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ﴾
﴿عَسَىٰ أَنْ يَنْفَعَنَا﴾

أما فرعون نفسه، الذي كان يبحث عن قتل موسى،

فلم يعلم أن موسى بين يديه.

 

سبحان من ترتّب حكمته فوق عقل البشر.

٦. رفض الرضاعة: المعجزة الثانية

 

يحاولون إرضاع موسى…

فيرفض كل المراضع.

لماذا؟

لأن هناك أمًا في بيتٍ بعيد

قد وعدها الله:

“إنا رادّوه إليك.”

فيتحرك القدر العظيم ليهيّئ الطريق:

جنود يذهبون للبحث
نساء يُعرضن على الطفل
كل صدرٍ يُدفع إليه يرفضه
حتى تصل أخته الكبيرة،
وتقول لهم بكل ثقة:

﴿هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَىٰ أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ﴾

فيبعثون معها،

ويصلون إلى بيت الأم،

فتأخذ الطفل،

فإذا به يلتقم ثديها…

كما لو أن الكون كله كان ينتظر تلك اللحظة.

 

وهكذا يتحقق وعد الله بأعجب طريقة:

يعود إليها
في بيتها
ترضعه
وتحصل على أجر الرضاعة من آل فرعون

إنه ليس فقط رجوعًا…

بل رجوعًا مع تكريم ورزق وأمان.

٧. ماذا تقول هذه القصة للقلب المعاصر؟

تقول:

إن أخطر مخاوفك قد تكون أبواب نجاتك.
وإن أعظم الأبواب التي تراها مغلقة… هي التي يفتحها الله لك.
وإن الله قد يأخذك إلى حافة الهاوية… ليُريك كيف تنزل أقدامه معك.
وإن الأم التي ألقت ابنها… لم تُلقِه، بل وضعته في يد الله.
وإن وعود الله لا تتأخر… بل تأتي حين يكون القلب مستعدًا لحملها.وتقول أيضًا:

إذا خفت… فاتبع أمر الله، لا أمر الخوف.

وإذا حزنت… فتذكر أن الله لا يتخلى عن قلبٍ عرفه.

٨. الخاتمة: أمٌّ تلقي… وربٌّ يحفظ

هكذا تبدأ المعجزة:

امرأة تلقي طفلًا في البحر،

فتتحول الأمواج إلى حافظ،

وينقلب الخوف إلى أمان،

ويصبح الطفل نبيًا يكسر عرش الطغيان.

 

وهكذا تنتهي المعجزة:

أن المستحيل ليس مستحيلاً حين يكون الله هو الذي يأمر.

زر الذهاب إلى الأعلى