Uncategorized

د. عبد الرحمن الدياسطي يكتب: فطرة الدين

إن التدين فطرة ذاتية في النفس البشرية، ولا يمكن لأي إنسان أن يحيا حياة مستقيمة بلا دين، فالحياة بلا دين حياة قاحلة جدباء، واستمر الدين مرافقا للبشرية من لحظة وجودها على الأرض، ولم يخل مجتمع ولا أمة من هذه الظاهرة الفطرية، ولم يمر زمن أو عصر بدون إلتزام بالدين وإن ضل أكثر الناس، وسيبقى الدين مرافقا للإنسانية إلى لحظة فناءها.

إن الدين الحق الذي ارتضاه الله لصلاح العباد في الأرض، والذي يمتد من أول البشرية إلى نهايتها هو الدين الصافي الذي ينبع من الفطرة النقية(فطرة الله التي فطر الناس عليها)، هذا الدين لم يسلم علي حاله ولم يبق على نضارته، نتيجة لبعض الممارسات والظواهر التي مارسها بعض الأفراد ،والتي غيرت جوهره، وعكرت صفوه، وحالت دون تحقيق الهدف الأصلي منه.
والمتاجرة بالدين ظاهرة مرضية قديمة صاحبته في كل المجتمعات القديمة والحديثة ،وقام بعض حملته بإستغلاله والتستر وراءه لتحقيق أغراضهم الشخصية وميولهم الدنيئة ومطامعهم الخبيثة ،فاتخذوا الدين سلعة للمتاجرة والمساومة، لنهب وسلب خيرات الأمم والشعوب، كما استغلوا الدين للوصول إلى أعلى المناصب والمراكز وفرض النفوذ على الآخرين، فكانوا أسوأ أمثلة لحملة هذا الدين.

ومما يؤسف له حقا ويندى له الجبين أن بعض الحكام والطغاة والمستبدين على مر العصور وخاصة هذا العصر قربوا المتاجرين بالدين لهم، وفتحوا لهم أبواب السخاء والرفاهية، وجعلوهم ابواق دعاية لهم ،يسبحون بحمدهم، ويدافعون عنهم فضلوا وأضلوا.

وإذا كان الدين فطرة في النفوس- كما أسلفنا- فالنفس البشرية فيها نزعة مادية مركبة من غرائز وشهوات، من هنا لا بد أن يقوم العقل بدوره في إقامة التوازن بين الجانب المادي والروحي، فإن قصر العقل فى هذا الدور المنوط به وتخلف عن عمله، ترجح جانب المادة وتحركت الشهوات، فانطلقت بلا حد أو قيد لتتجاوز حدود العقل والشرع.

ولقد ظهرت في العصور الحديثة بعض الجماعات المارقة تؤمن ببعض الدين وتتخلى عن بعض، تطبق بعض الأحكام دون بعض، ثم تلجأ إلى بعض الفلسفات الفكرية لترقع بها هذا التمزق، وتسد بها هذا الخلل بلا تنسيق ولا انسجام، ليظهر الدين في النهاية بصورة مقززة، وللأسف أصبح لهذه الجماعات مكانتها عند الناس ،لدرجة أنهم أطلقوا على أنفسهم رجال الدين، أو حماة الدين، أو كما أطلق الناس عليهم.

نتيجة لهذا الفهم المغلوط ،وهذا الواقع المرير، وهذه الصورة السيئة التي الصقت بالإسلام وهو منها براء، ظهرت دعوات إلحادية كثيرة آلت على نفسها محاربة الدين ،فرسمت له صورة براقة في شكلها، وقرنت بها دعوة أخري، حاولوا جهدهم إيصالها للناس هي فكرة أن الدين أصبح موضة قديمة، وأن سبب تخلف المسلمين هو تمسكهم به، وأن العلم وحده بلا دين يحقق للإنسانية كل شيء.

في النهاية أقول إن هذه الظاهرة السيئة (المتاجرة بالدين)تركت آثارا سيئة على الحياة الإنسانية ،وخلفت وراءها بصمات سوداء في جبين البشرية، وعكرت صفحة الدين الحق وألحقت به العلل والأسقام.

والحق أقول: المتاجرة بالدين ظاهرة مرضية سرعان ما تختفي وتزول بدليل ولم تستطع هذه الأفكار أن تقوم بإصلاح المجتمعات، ولم ينهض العلم وحده أن يحقق السلام العالمي، بل جر على البشرية ويلات الحروب والدمار، فأهلك الحرث والنسل، لذا أصبحت الحاجة ماسة للبحث عن الدين الحق والقيم الصحيحة، وسيأتي اليوم الذي يعود فيه الدين كما كان نبعا صافيا ،وكوكبا دريا، وشمسا تسطع على الكون ليعم خيرها ونعيمها علي الإنسانية جمعاء.

زر الذهاب إلى الأعلى