مقالات الرأى

د أسامة شاهين يكتب : إعفاء أفريقيا جمركيًا ،دعمٌ للصادرات الأفريقية أم تعزيزٌ لآلة الصين الصناعية؟

مقالات للرأي

من زاوية اقتصادية واقعية، قرار الصين إلغاء الرسوم الجمركية على وارداتها من 53 دولة أفريقية يبدو للوهلة الأولى “مكسبًا لأفريقيا” لأنه يفتح سوقًا ضخمًا ويخفض تكلفة النفاذ. لكن عند تفكيك هيكل التجارة بين الطرفين وطبيعة الاقتصاد الصيني، يتضح أن القرار في صورته التلقائية يميل لأن يكون في صالح الصين أكثر، ما لم تقابله سياسات أفريقية تحويلية تعيد صياغة موقع القارة داخل سلاسل القيمة العالمية.

الصين ليست مستوردًا كبيرًا للمنتجات النهائية القادمة من أفريقيا، ليس لأن السوق لا يحتاجها، بل لأن نموذجها الاقتصادي قائم على استيراد المواد الخام والمدخلات الزراعية والمعدنية والطاقة، ثم تحويلها صناعيًا إلى منتجات ذات قيمة مضافة عالية وإعادة تصديرها إلى العالم. لذلك فإن إلغاء التعرفة الجمركية يخدم هذا النموذج مباشرة عبر تقليل تكلفة المدخلات وتوسيع هامش الربح الصناعي أو دعم القدرة التنافسية للصادرات الصينية في الأسواق الخارجية. عندما تُخفض كلفة المواد الأولية، لا تتحسن فقط كلفة الإنتاج داخل الصين، بل تتحسن أيضًا قدرتها على تسعير منتجاتها النهائية عالميًا في بيئة تتسم بتنافس شرس وتباطؤ اقتصادي في بعض المناطق.

هناك مكسب آخر للصين لا يقل أهمية يتعلق بـ”أمن سلاسل الإمداد”. في عالم متوتر تجاريًا وجيوسياسيًا، تصبح القدرة على تنويع مصادر المواد الخام وخلق بدائل متعددة للمورد الواحد عنصرًا استراتيجيًا. الإعفاء الجمركي الممنوح لغالبية الدول الأفريقية يجعل القارة، عمليًا، منصة توريد أقل كلفة وأكثر مرونة للصين، ويمنح بكين قدرة تفاوضية أعلى مع موردين من مناطق أخرى. كما أن هذا القرار قد يُعمّق اندماج بعض الاقتصادات الأفريقية في الطلب الصيني، بما يعزز نفوذ الصين الناعم ويخلق روابط مصالح طويلة الأجل.

في المقابل، استفادة أفريقيا ليست مضمونة بالدرجة نفسها، لأن المشكلة ليست في الرسوم فقط، بل في طبيعة ما تصدره القارة. إذا ظلت غالبية الصادرات الأفريقية إلى الصين خامات أو منتجات أولية قليلة التصنيع، فإن الإعفاء سيؤدي غالبًا إلى زيادة الكميات وربما تحسين عائدات قصيرة الأجل، لكنه سيكرّس نمطًا تاريخيًا غير متوازن: أفريقيا تبيع قيمة منخفضة وتشتري قيمة مرتفعة. الأخطر أن هذا النمط يجعل اقتصادات كثيرة رهينة لتقلبات أسعار السلع الأولية العالمية، ويحدّ من قدرتها على خلق وظائف مستدامة أو تطوير قاعدة إنتاجية متقدمة.

من هنا يصبح السؤال الحقيقي: من يملك القدرة على تحويل هذا القرار إلى مكسب أفريقي؟ الإجابة هي الدول التي تمتلك تكنولوجيا التصنيع أو تستطيع جذبها بسرعة، وتملك منظومات جودة وتعبئة وتغليف ولوجستيات تسمح بتقديم منتج نهائي أو شبه نهائي يطابق المعايير. تلك الدول فقط يمكنها كسر الحلقة التقليدية عبر تصدير منتجات مصنعة، بما يعني هامش ربح أعلى، تشغيلًا أكبر، نقل معرفة، وتراكمًا في الخبرات الصناعية. أما الدول التي تظل خارج دائرة التصنيع فستبقى فائدتها محدودة مهما كان الإعفاء مغريًا على الورق.

الخلاصة أن القرار، كأداة تجارية بحتة، يخدم الصين بوضوح لأنه يدعم نموذجها الصناعي التصديري ويؤمن لها مدخلات أرخص وأكثر تنوعًا. أما أفريقيا، فإما أن تتعامل معه كامتياز “يزيد الصادرات” فتربح رقمًا وتخسر فرصة، أو تتعامل معه كنافذة لإعادة بناء سلاسل قيمة محلية وإقليمية تجعلها مصدرًا للمنتج النهائي لا للمواد الخام فقط. الفرق بين المسارين هو الفرق بين تبعية تجارية مستمرة، وبين شراكة أكثر توازنًا تُترجم إلى نمو حقيقي في القوة الاقتصادية.

زر الذهاب إلى الأعلى