
*التعلق الفطري بالوجود الإلهي!*
تتعلق الأذهان منذ القدم الإنساني بفكرة تصميم الكائنات، وتدبير أمرها، وتنظيمها، وتسييرها وفقا لمعايير محددة، وفي اتجاه أمر معين، سواء أكان ذلك قبل الميلاد، أو بعده، وسواء أكان عند المسلمين، أو غيرهم، من غير ارتباط للفكرة بدين أو مذهب بعينه.
فنجد هذه النظرة والفكرة عند أفلاطون وأرسطو وسقراط، وعند الكندي والفارابي وابن سينا، وعند الأشعري والجويني والرازي، وعند الشافعي وأبي حنيفة ومالك، وعند غيرهم.
ومن أسباب تعلق أذهان المسلمين بالصانع من خلال النظر في الصنعة (الكون)؛ ما قدمه القرآن الكريم من لفت للعقول والأذهان إلى النظر في المخلوقات من أعالي السماء إلى أسافل الأرض. والمراد هنا: أن القرآن لفت الأذهان إلى أهمية هذه النظرة، ومدى صحتها ودلالتها رغم سهولة حصولها.
ويدل على فطرية التعلق الإنساني بفكرة الإله من خلال تدبر الصنعة أن الأعراب (وبسبب خلوتهم، وتنقلهم في الصحراء، وبعدهم عن شواغل أهل الحضر) كانوا أقدر على النظر وملاحظة ما أشار إليه القرآن بغير دراية منهم بذلك فيه.
ويؤيد هذه الفكرة صنيع الأعرابي الذي سمع الأصمعي حين أخطأ في القرآن، لم يتقبل عقله خطأ الأصمعي، رغم أنه لم يقرأه قط، ولكنه الإدراك الفطري لأمور لا تستلزم علما مسبقا عند البعض، ولكن كفاه ما انطبع في فطرته من تذوق التناسق بين الأشياء.
فقد قال الأصمعي: كنت أقرأ (المائدة) وبجنبي أعرابي، فقرأت هذه الآية، فقلت: نكالا من الله والله غفور رحيم. سهوا، فقال الأعرابي: كلام من هذا؟ قلت: كلام الله. قال: أعد. فأعدت: والله غفور رحيم. فقال: ليس هذا كلام الله. فتنبهت وقرأت: ﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [المائدة: 38]، فقال: أصبت هذا كلام الله. قلت له: أتقرأ القرآن؟ قال: لا. قلت: فمن أين علمت أني أخطأت؟ قال: يا هذا، عز فحكم فقطع، ولو غفر ورحم لما قطع”.
أدرك الأعرابي الخطأ الذي وقع فيه الأصمعي رغم أنه لم يحفظ القرآن، ولم تُتلَ عليه هذه الآية من قبل.
إذا فالأذهان الصافية، والفِطَر السليمة، تتجه نحو الصواب بتلقائية ومرونة. وهذا ما تحقق فيما يتعلق بوجود صانع لكافة الموجودات لدى أغلب الناس من مختلف الثقافات، ومختلف الديانات، في مختلف الأقطار.







