أخبار ومتابعات

أحمد باسل الوحيدي يكتب : 470 يومًا تروي قصة غزة بين القهر والدمار

 

470 يومًا من القتل والتدمير الممنهج، عاشت غزة خلالها واحدة من أحلك فصولها التاريخية. حرب استهدفت المدنيين العُزَّل، بلا تمييز بين مسلم أو مسيحي، ليبرالي أو صاحب معتقد آخر. كانت حربًا ذات طابع تطهيري لم تستثنِ أحدًا، خلَّفت وراءها آلاف الشهداء، والمفقودين، والمهجرين الذين اضطروا للبحث عن مستقبل أفضل في أوطان بديلة.

أنا من مواليد عام 1994، عام الانتفاضة الفلسطينية الأولى، ولدت ملتصقًا بالحرب والمجازر. نشأت وكبرت في قطاع غزة، وشبح طائرة الاستطلاع كان دائمًا معي، بصوتها المرعب الذي لم يفارق طفولتي وشبابي. خلال حياتي، جابهت ما لا يقل عن أربع حروب مدمرة قبل الحرب الأخيرة، وشهدت الاقتتال الداخلي بين الأطراف السياسية، إضافة إلى تصعيدات أسبوعية جعلت من الأمان حلمًا بعيد المنال.

منذ اندلاع الحرب الأخيرة في 7 أكتوبر 2023، قُدّر عدد الشهداء بأكثر من خمسين ألفًا، في حين لا تزال أعداد المفقودين غير معروفة. مجزرة امتدت لخمسة عشر شهرًا، عاشها شعب أعزل ولد لاجئًا، ليصبح نازحًا أو لاجئًا للمرة الثانية.

بدأت الحرب بقرار فصائلي أناني، اتخذته مجموعة صغيرة قررت مصير مليوني غزي دون استشارة أو تخطيط. كانت البداية وعدًا بتحرير الأرض، لكنها سرعان ما تحولت إلى حرب بقاء وصراع على حكم القطاع، بلا أي توازن في القوى أو استعدادات حقيقية.

هذه الحرب لم تكن مجرد معركة عسكرية، بل كارثة إنسانية. دُمرت خلالها المنازل، وهُجّر الآلاف، وأُغلقت الأبواب أمام أي أمل في حياة كريمة داخل القطاع. لقد فقدنا الأمل المتبقي، الذي بنيناه رغم الجبايات، والفساد، وسرقة التجار وأصحاب رؤوس الأموال من قِبل حكومة القطاع.

أنا كاتب هذه الكلمات، لاجئ ابن لاجئ، وجدي كان لاجئًا أيضًا. نشأت في غزة، تعلمت في مدارس الأونروا، وتلقيت العلاج من عياداتها. رغم المعاناة، استطعت بناء حياتي والعمل في منظمة دولية، وكنت أخطط لمستقبل أفضل لعائلتي. لكن في السابع من أكتوبر، دُمر منزلي، ومكتبي، وأُجبرت على الانتقال إلى جنوب القطاع.

في النهاية، لم أجد خيارًا سوى الرحيل حفاظًا على سلامة عائلتي. انتقلنا إلى جمهورية مصر العربية، التي استقبلتنا بحفاوة ومعاملة كريمة أشعرتنا أننا بين أشقائنا. لا يمكنني إلا أن أشكر مصر رئاسةً وحكومةً وشعبًا على جهودهم الجبارة في استقبالنا وعلى دورهم المحوري في المفاوضات التي أسفرت عن التوصل إلى هدنة.

لاحقًا، انتقلنا إلى أوروبا بحثًا عن حياة مستقرة بعيدًا عن الحروب والاقتتال. أصبحنا لاجئين للمرة الثانية، بعيدين عن ديارنا وأهلنا، حاملين ذاكرة أجيال متتالية من التشرد والمعاناة.
هذه ليست مجرد قصة شخصية، بل شهادة على معاناة شعب بأكمله، ضحايا محتل دموي غاشم وقرارات خاطئة وسياسات عدوانية. لقد فقدنا الكثير، لكن ما زلنا نحلم بغدٍ أفضل، حيث تنتهي الحروب، ويعيش أطفالنا في أمان، بلا خوف من قذيفة أو حرب جديدة.

زر الذهاب إلى الأعلى