
نشأ مستشفى الدمرداش الجامعي في سياق تاريخي بالغ الدلالة، في لحظة كانت فيها مصر تعيد صياغة مشروعها الحضاري الحديث، واضعة التعليم والطب في قلب معادلة النهضة. ومع تأسيس جامعة عين شمس في منتصف القرن العشرين، كان إنشاء المستشفى الجامعي جزءًا من رؤية واضحة ببناء صرح طبي تعليمي لا يكتفي بتلقين المعرفة بل يصنع مدرسة، ويؤسس تقليدًا علميًا، ويخلق طبيبًا قادرًا على الجمع بين العقل العلمي والوجدان الإنساني. ولم يكن مستشفى الدمرداش الجامعي لطب عين شمس مجرد مبنى للعلاج، ولا فضاءً سريريًا لتلقي الدواء بل كان ولا يزال ذاكرةً حية للطب المصري والعربي، وركنًا راسخًا من أركان الحضارة العلمية الحديثة في هذه المنطقة من العالم. هو مستشفى كلية الطب جامعة عين شمس، لكنه في الحقيقة أكبر من توصيف إداري أو أكاديمي هو مدرسة ومختبر تاريخ، وساحة تلاقٍ بين العلم والإنسان، وبين المعاناة والأمل، وبين المعرفة والضمير. نشأ الدمرداش في زمن كانت فيه مصر تعيد بناء ذاتها الحديثة، وتبحث عن مكانها بين الأمم عبر العلم وعبر الطب. ومنذ لحظة التأسيس، لم يكن الهدف علاج المرضى فحسب بل صناعة الطبيب وتكوين العقل الطبي، وترسيخ أخلاقيات المهنة، وبناء نموذج طبي يجمع بين الدقة العلمية والرحمة الإنسانية. لذلك ارتبط اسم الدمرداش منذ البدايات بفكرة الجامعة المستنيرة التي لا تفصل بين التعليم والخدمة العامة، ولا بين البحث العلمي واحتياجات المجتمع. وفي قاعاته الأولى تَشَكلت ملامح مدرسة طبية مصرية رصينة، تستلهم تراث الطب العربي والإسلامي، وتنهل من أحدث ما وصلت إليه العلوم الطبية العالمية. هنا لم يكن الطالب مجرد متلقٍ بل شاهدًا حيًا على الألم الإنساني، ومتدرّبًا على اتخاذ القرار في لحظات فاصلة، ومُطالبًا بأن يفهم أن الطب ليس مهنة تقنية بل مسؤولية أخلاقية تجاه الإنسان والحياة. وعلى مدار عقود خرج من الدمرداش عمالقة الطب أسماء صارت أعلامًا في مصر والعالم العربي وأفريقيا بل وفي كثير من دول العالم. أطباء حملوا معهم روح هذا الصرح إلى جامعات ومستشفيات ومراكز أبحاث، وأسهموا في تطوير العلوم الطبية وفي بناء أنظمة صحية، وفي تعليم أجيال جديدة، وفي ترسيخ قيم المهنة حيثما حلوا. لم تكن شهرتهم صدفة بل نتاج بيئة علمية صارمة، وتدريب قاسٍ، وتجربة إنسانية عميقة لا تُدرس في الكتب. الدمرداش لم يكن يومًا مستشفى نخبويًا مغلقًا بل ظل على الدوام مستشفى الناس، وملاذ الفقراء قبل الأغنياء، وباب الأمل لمن ضاقت بهم السبل. في أروقته التقت كل طبقات المجتمع، وتساوت المعاناة الإنسانية أمام سرير المرض، وكان الطبيب الدمرداشي يتعلم يوميًا أن العلم بلا عدالة ناقص، وأن المهارة بلا ضمير خطر، وأن القيمة الحقيقية للطبيب تُقاس بقدرته على الإنصات بقدر قدرته على التشخيص. ومع تطور الزمن تطور الدمرداش. توسعت أقسامه وتعددت تخصصاته وواكب التقدم العلمي، ودخلت إليه التقنيات الحديثة، وازدهر فيه البحث العلمي، وأصبح أحد أعمدة التعليم الطبي في المنطقة. لكنه رغم كل التحولات حافظ على روحه الأصلية روح الصرح الذي يصنع الطبيب قبل أن يمنحه الشهادة، ويختبر إنسانيته قبل مهارته، ويعلمه أن الطب موقف أخلاقي قبل أن يكون إجراءً سريريًا. وليس غريبًا أن يشعر من درس أو عمل في الدمرداش بانتماء خاص، انتماء يتجاوز الجغرافيا والسنين. هو انتماء لتجربة قاسية وجميلة في آن، لتكوين مهني وإنساني عميق، لذاكرة مشتركة من السهر والقلق والتعلم والانتصار . سلسلة طويلة من العقول التي تشكّلت هنا وحملت مشعل الطب إلى ميادين متعددة. هو شرف الانتماء إلى تاريخ وإلى مدرسة وإلى اسم ما زال حاضرًا في وجدان الطب المصري والعربي والعالمي. الدمرداش ليس ماضيًا يُروى فقط بل حاضرٌ يُعاش، ومستقبلٌ يجب أن يُصان. هو شاهد على أن الأمم تُبنى بالعلم، وأن الطب حين يُزرع في جامعة حقيقية، يتحول إلى حضارة. وسيظل هذا الصرح ما بقي فيه عقل يبحث وطبيب يتعلم ومريض يُحتضن، أحد أعمدة الفخر في تاريخ مصر الطبي، ووسامًا على صدر كل من مر من هنا طبيبًا كان أو طالبًا أو مريضًا. وأنا لم أدرس الطب في الدمرداش فقط بل عشت فيه تجربة إنسانية كاملة. دخلته طالبًا يحمل الحلم، وخرجت منه طبيبًا يحمل العبء. في ممراته تعلمت أن المعرفة وحدها لا تكفي، وأن القرار الطبي ليس معادلة جافة بل موقف أخلاقي في لحظة ضعف إنساني. هنا فهمت أن المريض ليس حالة رقمية بل إنسان له قصة وله خوف وله بيت ينتظر عودته. في الدمرداش تعلمت معنى السهر، ومعنى القلق ومعنى أن تخطئ فتتعلم، وأن تصيب فتتواضع. تعلمت أن الطبيب لا يُقاس بعدد ما يعرف بل بقدر ما يحتمل وبقدر ما يصون كرامة من بين يديه. تعلمت أن الطب ليس مهنة سهلة، وأن الطريق إليه لا يُفرش باليقين بل بالأسئلة الثقيلة. وشقيقتي كما أنا، كانت جزءًا من هذا التكوين في تخصصها من هذه المدرسة التي لا تمنح شهادتها إلا بعد أن تختبر إنسانيتك. نحن لم نكن مجرد طلاب بل شهودًا على الألم، ومتدربين على الرحمة، ومجبرين على النضج المبكر. الدمرداش لم يمنحنا لقب طبيب فقط بل حملنا مسؤولية هذا اللقب أينما كنا. وكلما مررنا بمستشفى أو دخلنا غرفة فحص أو وقفنا أمام مريض، يعود الدمرداش معنا في طريقة السؤال وفي احترام الألم وفي التردد قبل القرار، وفي الشعور العميق بأن الطب أمانة وليس استعراض.
هذه هي عين شمس والدمرداش منارة الطب والعلم التي تضئ على الكون .








