مقالات الرأى

د عبد الرحمن الدياسطي يكتب : معا ضد التسول.

مقالات للرأي

مع الظروف والأزمات الطاحنة التي تمر بها الأوطان تنتشر واحدة من أعقد الظواهر الإجتماعية السلبية في المجتمعات وهي ظاهرة التسول، وبالرغم من شيوعها وانتشارها إلا أنها غير حاصلة على قدر كاف من الدراسة والإهتمام ،وربما يرجع ذلك لنظر البعض لها كما لو أنها أمر مسلم به، أو شر لازم عنه في المجتمع.
ويعتبر مفهوم التسول من المفاهيم المستخدمة حديثا، وإن كان موجودا قبل ذلك إلا أن معناه تغير تبعا لتغير الزمان والمكان، ويطلق معناه على طلب المساعدة المادية من الناس في الأماكن العامة بإدعاء المرض أو المبيت في الشوارع، وللأسف توجد هذه الظاهرة في مختلف الثقافات والمجتمعات، ويرجع أسباب انتشارها إلى الفقر والعوز والبطالة ،وبؤس الإنسان وحرمانه من أبسط احتياجاته، ودفعه لطلبها من الأخرين بشكل قد يصل إلى حد الإستجداء ،وتأثيره على بنية الأسرة وفشلها في توفير حاجاته الضرورية ،وتخلي الأبوين عن دورهما في الإنفاق على الأسرة مما يدفع الأطفال للهروب واللجوء للتسول.
ومما تجدر الإشارة إليه إلى أن أخطر ما في التسول هو تحويله من مجرد أمر وقتي فرضته الظروف للخروج من أزمة أو موقف، إلي عمل دائم أو حرفة، والأشد خطورة هو تحويله إلي نظام أو مؤسسة تدار عبر مجموعة من الناس تدير شبكات كاملة من الأطفال والنساء وأصحاب العاهات.
وقد أثرت هذه الظاهرة السوسيولوجية على المجتمعات في جميع المجالات الإقتصادية والإجتماعية والثقافية…حيث حولت الموارد البشرية لدى الدول إلى أداة للتسول، وأضحي التسول غطاءا للبلطجة، وارتفع معدل الجريمة والإجرام لدي بعض المتسولين الذين ضاع مستقبلهم، بل وانتشرت الرزيلة وممارسة الأعمال. غير الأخلاقية على مرأى ومسمع دون رقيب أو رادع.
إن مكافحة التسول ليست مسؤلية دولة بعينها بل التزام أخلاقي علي كل فرد برفض التسول بجميع أشكاله، ودعم البرامج التي تعيد للإنسان كرامته من خلال توفير فرص العمل للعاطلين، ومحاربة البطالة والفقر، ورفع شعار لا للتسول، وهنا تكمن مسؤلية المجتمع في عدم التساهل مع المتسولين، والتحول من ثقافة العطاء العشوائي إلي العطاء المؤسسي عبر القنوات الشرعية والمؤسسات الرسمية، ومن هنا نستطيع أن نفهم قول الإمام مالك( لا تعطي الصدقة إلا لمن يستحقها ،فإنك إن أعطيتها لمن لا يستحقها فقد ظلمت من يستحقها).
فالتصدق علي المتسولين ليس مجرد خطأ، بل هو جريمة في حق المجتمع، وظلم لمن يستحقون مد يد العون، وتشجيع علي التسول مما يؤثر علي تقدم المجتمعات.

زر الذهاب إلى الأعلى