مقالات الرأى

د خالد غانم يكتب: اليتم عند الصديقة مريم

مقالات للرأي

ليس اليتم عائقا عن مواصلة الحياة، ولا معوقا يحول دون تحمل المسئولية ؛ بل قد يكون باعثا على إذابة الصخر والتغلب على أعباء الحياة بالصبر.
تلكم هي حالة مريم العذراء حيث تيتمت في الثامنة من عمرها وتحملت حياة اليتم وعاشت في المحراب صابرة متأملة، وهناك تعلمت صمت الحكمة وخشوع الفطنة.
لقد اختار الله هذه الفتاة لتكون أعظم امرأة في التاريخ من حيث مواجهة الصعاب وتحمل الأذى والصبر على لأواء الكلام ،
فعن جانب من جوانب الإصطفاء يحدثنا القرآن الكريم فيقول سبحانه:إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آَدَمَ وَنُوحًا وَآَلَ إِبْرَاهِيمَ وَآَلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ. ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ. إِذْ قَالَتِ امْرَأَةُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ. فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ. فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا… (آل عمران 33:3-37)
وقد جاء في الحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه قوله صلى الله عليه وسلم: (ما من مولود يولد إلا نخسه الشيطان، فيستهل صارخاً من نخسة الشيطان إلا ابن مريم وأمه)، ثم قال أبو هريرة: اقرؤوا إن شئتم: {وإني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم} (آل عمران:36)، رواه مسلم. وفي آية أخرى يصفها القرآن الكريم بالصديقة،
قال تعالى:(مَّا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ ۖ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ ۗ انظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآيَاتِ ثُمَّ انظُرْ أَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ (المائدة 75)
ومرتبة الصديقة بعد مرتبة النبوة قال تعالى: (وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ ) [النساء:69]،
وفي الإنجيل يذكر أن الملاك جبريل عليه السلام يلقى التحية على السيدة مريم فيقول:( سَلاَمٌ لَكِ أَيَّتُهَا الممتلئة نعمة اَلرَّبُّ مَعَكِ. مُبَارَكَةٌ أَنْتِ فِي النِّسَاءِ) (إنجيل لوقا 1: 28).
وقد أعطى النبي الكريم وسام الخيرية للسيدة مريم البتول فعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :”خَيْرُ نِسَائِهَا مَرْيَمُ ابْنَةُ عِمْرَانَ وَخَيْرُ نِسَائِهَا خَدِيجَةُ” (رواه البخاري ومسلم).
لقد تحملت السيدة مريم مسئولية دينية لم تكن معودة بالنساء، فأصبحت مثار جدال، فقامت بها أوفى قيام، وتحملت مسئولية حادثة عظيمة، يندى لها الجبين، ولم تكن من أسبابها سوى اخبار القدر الأعلى لها،، فقابلتها بالصبر والصمت، والحلم والحكمة، وهي الطاهرة العفيفة والنقية الشريفة فسلام على السيدة مريم في العالمين

زر الذهاب إلى الأعلى