مقالات الرأى

الإعلامي إبراهيم الصياد يكتب: النبأ و الخبر في الخطاب القرآني ! ” قراءة في أخلاقيات الإعلام بين المهنية والهداية “

مقالات للرأي

في زمنٍ تدفق الأخبار، وتنافس المنصات على تحقيق السبق ولو على حساب الدقة، تبرز الحاجة اليوم إلى إعادة النظر في مفهوم “الخبر” بعيدًا عن ضوضاء التكنولوجيا وصخب الإعلام الرقمي، من خلال العودة إلى جذوره القيمية والمعرفية عبر تأمل دلالته خاصة ونحن في مستهل شهرٍ كريم من أيام الله المباركة؛ شهر يعيد ترتيب الأولويات ويمنح المعاني عمقها الروحي والإنساني !
و تأتي هذه القراءة في الخطاب القرآني، لا بوصفه نصًا تعبديًا فحسب، بل مرجعية معرفية أسست – منذ أكثر من أربعة عشر قرنًا – منظومة متكاملة في فهم الخبر وتداوله وأخلاقياته. وهي منظومة ربما تتفق أو تتباين مع ما يُدرّس اليوم من نظريات الإعلام الحديثة، بل وتسبقها في كثير من الاحيان.
ولكن لماذا “الخبر” تحديدًا؟
الخبر هو العمود الفقري للعمل الإعلامي، ومدخل تتفرع منه بقية الوظائف الاتصالية مثل التحرير، والتقديم، والمراسلة، والتفسير، والتحليل، وفي الاجمال صناعة الرأي العام! ومن يتأمل الخطاب القرآني يلحظ عناية خاصة بمفهوم الخبر، لا من زاوية السرد وحده، بل من زاوية المسؤولية الأخلاقية والمعرفية أو ما نطلق عليه اليوم “المهنية” وما تستلزمه من مسودة السلوك
وقد جاءت القاعدة المؤسسة لهذا المفهوم في قوله تعالى في القرآن الكريم، سورة الحجرات، الآية 6:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾.
إنها قاعدة ذهبية للعمل الإخباري:
لا قيمة للمعلومة قبل التحقق منها وهذا المبدأ الذي تسميه المدارس الإعلامية الحديثة “الدقة” و“التحقق المزدوج”. وإن الخطأ في نقل الخبر لا يضر بالمهنية فحسب، بل يهدد السلم المجتمعي ذاته، خاصة في زمن “الأخبار الكاذبة” وسرعة الانتشار عبر وسائل التواصل.
ودعونا نتساءل ماهو الفرق بين “النبأ” و“الخبر”؟
يفرق الخطاب القرآني بين مفهومي “النبأ” و“الخبر” بدقة لافتة !
(النبأ ) هو المعلومة ذات الشأن التي تستدعي الانتباه، وقد تكون في طور التلقي الأول.
أما ( الخبر) هو الذي يبلغ درجة عالية من اليقين.
لذلك جاء في سورة النمل، الآية 22:
﴿وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ﴾.
إنه “نبأ يقين”، أي معلومة مؤكدة موثقة وفي لغة الإعلام المعاصر يمكن تشبيه “النبأ” بالخبر العاجل، بينما يمثل “الخبر” بصورته المكتملة القصةَ المستوفية لشروط المصداقية والتحليل والسياق.
ويعزز القرآن الكريم هذا المعنى في مطلع سورة النبأ:
﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ * عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ﴾.
النبأ هنا عظيم، أي ذو وزن وأثر. وليست العظمة في الضجيج، بل في القيمة وهنا يبدو الفرق بين الحدث المهم بطبيعته، والعنوان الصاخب الذي يُصتطنع بحثًا عن “الترند”.
ويؤكد القرآن أن الأخبار مصدر أساسي للمعرفة الجمعية، كما في سورة الزلزلة، الآية 4:
﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا﴾
فالخبر أداة للفهم، ووسيلة لكشف الحقيقة ومن ثم فإن العمل في مجال الأخبار ليس مجرد وظيفة، بل شرف ومسؤولية أخلاقية.
أما الموضوعية، فتتجلى قرآنيًا في مخاطبة العقل والاحتكام إلى البصيرة، كما في سورة آل عمران، الآية 190:
﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ… لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾.
و”أولو الألباب” هم أصحاب العقول الصافية المدركة لجوهر الأشياء والخطاب الحق يخاطب العقل لا الغرائز، ويستند إلى البيان لا الإثارة.
وفي المقابل، يحذر القرآن من أخطر آفات الإعلام خلط الحق بالباطل وتزييف الوعي.
ترويج المعلومة المغلوطة أو توظيف الحقيقة لخدمة هوى ما ليس مجرد خلل مهني، بل انحراف أخلاقي.
ويأتي العلاج في قيمة الوسطية والتوازن، كما في سورة البقرة، الآية 143:
﴿وَكَذَٰلِكَ جَعْلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾.
وهو ما يُعرف في الإعلام المعاصر بمبدأ “التوازن” في التغطية.
ويلفت الخطاب القرآني النظر إلى مفهوم “البلاغ”؛ أي إيصال الرسالة بوضوح وكفاية فالبلاغ هو التوصيل، والبيان هو الإيضاح، وبينهما يتشكل جوهر الرسالة الإعلامية.
وتبلغ الفكرة ذروتها في مفهوم “البلاغ المبين”، كما في سورة التغابن، الآية 12:
﴿… فَإِنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾.
إنه تواصل واضح، وشفاف، قائم على الحقيقة وفي عالم يختلط فيه الخبر بالرأي، والمعلومة بالدعاية، نحن أحوج ما نكون إلى هذا النموذج أي
(رسالة واضحة لا لبس فيها، لا تتحايل على الجمهور ولا تستغفل وعيه)
خلاصة القول
لم يقدم القرآن تصورًا عابرًا للخبر، بل أسس منظومة متكاملة للأداء الإعلامي القويم، تقوم على التبين، واليقين، والدقة، والموضوعية، والتوازن، والمسؤولية الأخلاقية ومن يتأمل هذه المنظومة يدرك أن كثيرًا مما نعدّه اليوم “نظريات حديثة” في الإعلام، قد سبق إليها الخطاب القرآني، باعتباره كتاب هداية يضع الإنسان – إعلاميًا وأخلاقيًا – على الطريق المستقيم.
وإذا كان الإعلام اليوم يملك أدوات غير مسبوقة في السرعة والانتشار، فإن التحدي الحقيقي ليس في التقنية، بل في الضمير.
ومن “النبأ” إلى “الخبر”، يبقى صدق الرسالة، وأمانة التبليغ القيمة الفاصلة !

زر الذهاب إلى الأعلى