مقالات الرأى

الإعلامي إبراهيم الصياد يكتب: ” التنوير و الدين” مقاربة لفهم أعمق !

مقالات للرأي

كلما ذُكر مصطلح “التنوير” قفزت إلى الأذهان تجربة عصر التنوير في أوروبا في القرن الثامن عشر تلك اللحظة التاريخية التي أعلنت تمرد العقل على سلطة الكنيسة والتقاليد، ورفعت الإنسان إلى مركز الكون و تبلورت في حركة فلسفية تميزت برفض الأفكار الاجتماعية والدينية والسياسية التقليدية، والتركيز على مايسمى العقلانية !
لكن السؤال الذي نادرًا ما يُطرح في سياقنا الثقافي هو:
هل التنوير بالضرورة مشروع قطيعة مع الدين؟
وهل كل حديث عن العقل يعني بالضرورة إزاحة الوحي؟
يقدم القرآن الكريم إجابة قاطعة ومختلفة… بل نموذجًا مغايرًا تمامًا يتلخص في عبارة
تنوير بلا قطيعة !
في التجربة الأوروبية، ارتبط التنوير – في بعض تجلياته – بالتحرر من المرجعية الدينية، نتيجة سياق تاريخي خاص. أما في القرآن، الصورة مختلفة جذريًا. وأثبت أن العقل ليس خصمًا للوحي، بل انه شريك في فهمه والحرية ليست انفلاتًا من القيم، بل التزامًا واعيًا بها !
لا يستخدم القرآن لفظ “التنوير” كمصطلح فلسفي، لكنه يؤسس لمعناه من خلال مفهوم “النور”:
﴿قَدْ جَاءَكُم مِّنَ ٱللَّهِ نُورٌ وَكِتَـٰبٌ مُّبِينٌ﴾ (المائدة: 15)
﴿ٱللَّهُ نُورُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ﴾ (النور: 35)
النور هنا ليس إضاءة حسية، بل هداية معرفية وأخلاقية إنه مشروع لإخراج الإنسان من ظلمات الجهل والهوى إلى فضاء الوعي والمسؤولية بعبارة أخرى
القرآن… نصٌّ يستفز العقل وهذا يعد خلافًا للصورة النمطية التي تضع النص الديني في مواجهة العقل، نجد القرآن يلحّ في مخاطبته:
﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾
﴿أَفَلَا يَتَفَكَّرُونَ﴾
﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ ٱلْقُرْآنَ﴾ (النساء: 82)
هذه ليست عبارات عابرة، بل استراتيجية خطابية كاملة تقوم على إثارة السؤال وتحريك الفكر. بل إن القرآن ينتقد بشدة التقليد الأعمى:
﴿إِنَّا وَجَدْنَا ءَابَاءَنَا عَلَىٰٓ أُمَّةٍ…﴾ (الزخرف: 23)
ويدعو إلى قراءة الكون بوصفه كتابًا مفتوحًا:
﴿قُلِ ٱنظُرُوا۟ مَاذَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ﴾ (يونس: 101)
فأي نصٍّ آخر في القرن السابع الميلادي كان يحرض بهذا الإلحاح على التفكير والنظر والمراجعة؟
غير أن الفارق الحاسم يكمن في أن العقل في القرآن يعمل في إطار الحق، لا في فراغ أخلاقي.
﴿فَمَاذَا بَعْدَ ٱلْحَقِّ إِلَّا ٱلضَّلَـٰلُ﴾ (يونس: 32)
الحرية المعرفية لا تعني نسبية مطلقة، بل مسؤولية في البحث عن الحقيقة.
والتنوير – في بعض أطروحاته الحديثة – انشغل بتحرير العقل من السلطة أما القرآن فانشغل بتحرير الإنسان من داخله
فالإنسان في الرؤية القرآنية مكرّم ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِىٓ ءَادَمَ﴾ (الإسراء: 70)
﴿إِنِّى جَاعِلٌ فِى ٱلْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ (البقرة: 30)
>﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُم مَّسْـُٔولُونَ﴾ (الصافات: 24)
إنه ليس كائنًا اقتصاديًا أو بيولوجيًا فحسب، بل كيان أخلاقي يحمل أمانة
﴿إِنَّا عَرَضْنَا ٱلْأَمَانَةَ…﴾ (الأحزاب: 72)
ولهذا يبدأ المشروع القرآني من تزكية النفس:
﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّىٰهَا﴾ (الشمس: 9)
ثم يمتد إلى عمارة الأرض:
﴿هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ ٱلْأَرْضِ وَٱسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾ (هود: 61)
التحرر الحقيقي، وفق هذا المنظور، ليس تحررًا من الدين، بل تحرر من الخوف والطمع والهوى، ليصبح العقل قادرًا على العمل في بيئة أخلاقية متوازنة.
هل التنوير شرارة أم حالة؟
يمكن النظر إلى التنوير بوصفه لحظة إشعال للعقل، بينما الوعي هو الحالة التي تستقر بعدها. التنوير فعل، والوعي نتيجة. غير أن القرآن لا يكتفي بالشرارة؛ بل يبني حالة دائمة من اليقظة.
﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِى ٱلَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَٱلَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (الزمر: 9)
﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ (الزلزلة: 7)
هنا المعرفة ليست ترفًا ثقافيًا، بل التزامًا عمليًا. وتنظيميا و كل فكرة تتحول إلى مسؤولية، وكل وعي إلى سلوك
الخلاصة:
أي تنوير نريد؟
إذا كان التنوير يعني إطلاق العقل من القيود، فإن القرآن يضيف بعدًا آخر توجيه هذا العقل نحو الحق وإذا كان يعني تحرير الإنسان من الخضوع الأعمى، فإن القرآن يحرره أيضًا من خضوعه لهواه.
لا يقف القرآن في مواجهة العقل، بل يخاطبه ويستفزه ويطالبه بالعمل. لكنه يضع له بوصلة قيمية حتى لا يتحول النور إلى حريق وربما آن الأوان لإعادة طرح السؤال:
هل مشكلتنا مع الدين… أم مع قراءتنا له؟
وهل نحتاج إلى استيراد مفهوم للتنوير، أم إلى اكتشاف ما في تراثنا من مشروع تنويري لبناء الإنسان؟
في النهاية، التنوير القرآني ليس مجرد إشراق ذهني، بل هندسة وعي، وصناعة إنسان يفكر بعقل، ويهتدي بقيم، كي يعمر الأرض !

زر الذهاب إلى الأعلى