مقالات الرأى

الإعلامى إبراهيم الصياد يكتب : ((الإعلام الإجتماعي وصناعة الفضائح ))

مقالات للرأي

انتشار التقاط الصور الفاضحة و فضولية البحث في طلاق المشاهير وصب الزيت على النار في جولات الردح والصوت العالي وتحويل المناسبات المفرحة والحزينة إلى معرض صور لهذا أو ذاك كلها ظواهر تقود إلى أن وسائل التواصل الاجتماعي لم تعد مجرد منصات للتعارف وتبادل الآراء، بل تحولت في السنوات الأخيرة إلى فضاء واسع لصناعة الفضائح وإدارتها والترويج لها.

ونؤكد أنه في هذا الفضاء الرقمي المفتوح، يمكن لخبر واحد أو مقطع فيديو أو حتى تغريدة مقتطعة من سياقها أن تشعل عاصفة عابرة للحدود خلال ساعات قليلة، لتتحول إلى قضية رأي عام تتداخل فيها الحقيقة مع الشائعة، والمساءلة مع التشهير.

 

🔸أولى آليات صناعة الفضائح على وسائل التواصل هي السرعة الفائقة في الانتشار. فبفضل خاصية المشاركة وإعادة النشر، لم تعد المعلومة تمر بمراحل تحقق أو تدقيق كما كان يحدث في الإعلام التقليدي، بل تنتقل مباشرة من هاتف إلى آخر، متجاوزة الحدود الجغرافية والثقافية. هذه السرعة غالباً ما تسبق التفكير، وتجعل ردود الفعل الجماعية أكثر اندفاعاً وأقل عقلانية.

🔸العامل الثاني يتمثل في الخوارزميات التي تحكم عمل المنصات الرقمية وتميل هذه الخوارزميات بطبيعتها إلى تفضيل المحتوى المثير والعاطفي، لأنه يحقق معدلات تفاعل أعلى من الغضب أو الصدمة أو الفضول.

 وبهذا المعنى، تصبح الفضيحة “مادة مثالية” للانتشار، لأنها تستثير المشاعر وتضمن بقاء المستخدم أطول وقت ممكن على المنصة.

🔸كما تسهم وسائل التواصل في تنميط النقاشات وتحويلها إلى تراشق بين الآراء فبدلاً من مناقشة الفعل أو القضية في حد ذاتها، ينزلق النقاش سريعاً إلى تصنيفات فئوية هذا مع أو ضد، ينتمي إلى هذا المعسكر أو ذاك. ومع هذا الاستقطاب الحاد، تضيع التفاصيل الدقيقة، ويتحول النقاش إلى معارك كلامية وتلاسن واسهل شيء عند مناقشة وتحليل اي قضية أن يقوم المتناقشون بشخصنة الآراء وينزلقون إلى طرق جانبية ودهاليز فرعية !

🔸ومن أخطر آليات صناعة الفضائح فقدان السياق. فكثيراً ما تُعرض المعلومات مجتزأة أو مقطوعة من زمنها أو ظروفها، فتبدو أكثر إثارة أو إدانة مما هي عليه في حقيقتها

ويخلق هذا الاجتزاء سرديات مضللة يصعب تصحيحها لاحقاً، لأن الانطباع الأول غالباً ما يكون الأقوى والأكثر رسوخاً.

🔸أما على مستوى الدوافع، فتتداخل عوامل نفسية واجتماعية متعددة. فالفضائح توفر مادة غنية للتفاعل الاجتماعي، حيث يشعر الأفراد بالانتماء إلى جماعة تشترك في الغضب أو السخرية أو الإدانة. كما تمنح البعض إحساساً بالسلطة، إذ يعتقد المستخدم أنه يشارك في محاسبة المشاهير أو المؤسسات، حتى لو كانت هذه المحاسبة قائمة على معلومات غير مكتملة والايام الأخيرة شهدنا أكثر من واقعة تلاسن بين أطراف مختلفة تركوا القضايا الأساسية وتفرغوا للسب والقذف

وتؤدي الفضائح أيضاً دوراً في الإلهاء، إذ تشكل هروباً مؤقتاً من ضغوط الحياة اليومية وقضاياها المعقدة ولا يمكن إغفال البعد الاقتصادي، حيث يلجأ بعض المؤثرين إلى افتعال الفضائح بوصفها أداة تسويقية لزيادة المتابعين وتحقيق أرباح أعلى ويلعبون على عناصر الإثارة والتشهير والترويج لغير المألوف من السلوك

🔸و لهذه الظاهرة آثار سلبية عميقة من أبرزها نصب محاكمات إعلامية تدين الأشخاص بلا تحقيق كما أن التأثير النفسي قد يكون مدمراً، سواء على الضحايا الحقيقيين أو على المتهمين ظلماً. ويضاف إلى ذلك تسطيح النقاش العام، حيث تُختزل القضايا المعقدة في ثنائيات حادة، مع انتشار واسع للمعلومات المضللة التي يصعب تمييزها عن الحقائق.

هنا يبرز التحدي الأخلاقي الذي يواجه المجتمعات المعاصرة كيف نوازن بين حرية التعبير وحق المجتمع في المساءلة، وبين حماية الكرامة الإنسانية وضمان العدالة؟ الإجابة لا تكمن في مصادرة الحريات بل في بناء وعي نقدي لدى المستخدمين، وتعزيز مسؤولية المنصات التقنية في الحد من التلاعب الخوارزمي، وربما تطوير أطر تنظيمية أكثر عدلاً وشفافية.

في النهاية، يبقى السؤال مفتوحاً كيف يمكننا كمجتمع رقمي أن نستفيد من قوة وسائل التواصل في تحقيق مساءلة حقيقية وبنّاءة، دون أن ننزلق إلى ثقافة الإسقاط والتشهير؟

هنا تكمن إشكالية أخلاقية ومهنية ربما الحديث عنها في مقال قادم !

الاعلامى إبراهيم الصياد

زر الذهاب إلى الأعلى