د خالد غانم يكتب: العمل المتعدي نفعه

العمل الإنساني متنوع المآرب، ومتعدد العلائق؛ ذلك لأن النوايا متنوعة، والطوايا مختلفة، فثمة عمل يعود نفعه على صاحبه، وهذا له مثوبة، وثمة عمل يشمل نفعه الفرد والمجتمع وهذا له فضيلة، ومن ثم نرى الفقهاء أجملوا هذا المعنى بالقاعدة المشهورة: ” العمل الذي يتعدى نفعه مقدم على العمل الذي لا يتعدى نفعه، والسنة النبوية ترسم لنا صورا لهذا العمل، عَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي اللع عنهما أَنَّ رَجُلا جَاءَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَيُّ النَّاسِ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ ؟ وَأَيُّ الأَعْمَالِ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : “أَحَبُّ النَّاسِ إِلَى اللَّهِ أَنْفَعُهُمْ لِلنَّاسِ ، وَأَحَبُّ الأَعْمَالِ إِلَى اللَّهِ سُرُورٌ تُدْخِلُهُ عَلَى مُسْلِمٍ ، أَوْ تَكْشِفُ عَنْهُ كُرْبَةً ، أَوْ تَطْرُدُ عَنْهُ جُوعًا ، أَوْ تَقْضِي عَنْهُ دَيْنًا، وَلأَنْ أَمْشِيَ مَعَ أَخٍ لِي فِي حَاجَةٍ ، أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَعْتَكِفَ فِي هَذَا الْمَسْجِدِ يَعْنِي مَسْجِدَ الْمَدِينَةِ شَهْرًا ، وَمَنْ كَفَّ غَضَبَهُ سَتَرَ اللَّهُ عَوْرَتَهُ ، وَمَنْ كَتَمَ غَيْظَهُ ، وَلَوْ شَاءَ أَنْ يُمْضِيَهُ أَمْضَاهُ ، مَلأَ اللَّهُ قَلْبَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ رِضًا ، وَمَنْ مَشَى مَعَ أَخِيهِ فِي حَاجَةٍ حَتَّى يُثْبِتَهَا ، أَثْبَتَ اللَّهُ قَدَمَيْهِ يَوْمَ تَزُولُ الأَقْدَامُ .”
ومن ناحية أخرى، المرء الذي يعمل لبناء أسرته ويسعى لتحقيق الرفاهية المشروعة لهم، هو إنسان سليم السيرة، محمود السريرة، مرفوع الذكر، وأشد وأنفع من يعمل لبناء مجتمعه، والمشاركة في صمود دولته ضد معترك الحياة، بالمضي قُدُما نحو استشراف مستقبل مشرق.
إن التاريخ الإنساني يشهد بأن العمل المتعدي نفعه هو الذي حقق الحضارة، ويسهم في بناء الثقافة والتكوين الأفضل للحياة.
فقد صنع نوح عليه السلام السفينة التي حملت المؤمنين به، تجري بأمر ربها مواخر في الماء، وعمل قوم هود بنحت الجبال فصنعوا منها بيوتا فارهين، واتخذوا من سهول الأرض قصورا، وقامت في مصر حضارة وآثار وقلاع وأهرامات إحدى عجائب الدنيا السبع.
وتعاقب الحضارات على مر التاريخ الإنساني يقدم لنا أمثلة منيرة للعمل المفيد للغير، فإثر التقدم الحضاري والفلسفي على يد فلاسفة اليونان، ظهر الفلاسفة المسلمون ـ ـ وأكثرهم من غير العرب ـ وقدموا للعالم اسهامات حضارية متنوعة في صنوف العلم المختلفة، فاستفاد منهم علماء أوربا وغيرهم، وواصلوا المسيرة الحضارية فأنتجت عقولهم مخترعات وأجهزة الكترونية في مجالات متنوعة يحار العقل عن تصديقها قبل هذا الزمن.
ومن ثم فالحضارة القائمة على فكرة العمل المتعدي نفعه للغير لهي حضارة جذورها ثابتة، وفروعها مستمرة ودائمة، وهي قضية تستدي الانتباه نحو بناء الوطن وتماسك المجتمع، والمسئولية المجتمعية تسهم في البناء الاجتماعي للإنسان.
والنظرة الدينية للعمل لا تكتفي بمجرد النظر تحت قدم الإنسان أو حواليه، بل رؤيتها واسعة تشمل المكان والزمان، وأن العمل الأفضل هو ما يراه الآخرون ويرقبونه، يلمسون آثاره ونفعه.







