أخبار ومتابعات

لواء د . احمد زغلول مهران بكتب: من قاعات الأزهر إلى آفاق المستقبل* *المؤتمر الحادي عشر لمعامل التأثير العربي حين تبحث الأمة عن موقعها في عصر الذكاء الاصطناعي

متابعات يوتوبيا

في زمنٍ تتغير فيه خرائط القوة العالمية بوتيرة غير مسبوقة لم تعد الثروة الحقيقية للأمم تُقاس بما تمتلكه من موارد طبيعية فقط بل بما تملكه من قدرة على إنتاج المعرفة وصناعة التكنولوجيا والتحكم في أدوات المستقبل ومن هذا المنطلق جاءت فعاليات المؤتمر الحادي عشر لمعامل التأثير العربي الذي احتضنته قاعة المؤتمرات بجامعة جامعة الأزهر خلال الفترة من 7 إلى 9 مايو، تحت رعاية الأستاذ الدكتور / سلامة داوود وبحضور الأستاذ الدكتور / عمرو سلامة امين عام اتحاد الجامعات العربية إلى جانب نخبة من العلماء والأكاديميين والباحثين من مصر وتونس وليبيا والبحرين .

ولم يكن المؤتمر مجرد مناسبة أكاديمية تقليدية بل بدا وكأنه منصة فكرية واسعة لإعادة طرح السؤال الأهم •• كيف يمكن للعالم العربي أن يدخل عصر الذكاء الاصطناعي دون أن يفقد هويته؟ وكيف يمكن للجامعات العربية أن تتحول من مؤسسة تعليمية تقليدية إلى مصنع حقيقي للمعرفة والابتكار؟ .

*الأزهر •• حين يلتقي التراث بروح العصر*

حمل انعقاد المؤتمر داخل رحاب جامعة الأزهر دلالات عميقة تتجاوز البعد التنظيمي فهذه المؤسسة العريقة التي مثّلت عبر قرون طويلة أحد أهم مراكز الفكر والاعتدال في العالم الإسلامي تؤكد اليوم أنها ليست بعيدة عن معارك المستقبل العلمية والتكنولوجية بل حاضرة في قلبها .

وقد عكس الحضور الأكاديمي العربي الواسع إدراكاً متنامياً بأن الجامعات العربية لم يعد أمامها ترف الانتظار في ظل تسارع الثورة الرقمية وتصاعد التنافس العالمي في مجالات الذكاء الاصطناعي والبحث العلمي والتقنيات الحديثة .

ومن اللافت أن جلسات المؤتمر اتسمت بقدر كبير من العمق والانفتاح حيث لم تقتصر المناقشات على عرض الإنجازات التقنية بل امتدت إلى مساءلة التأثيرات الاجتماعية والثقافية والأخلاقية لهذه التحولات الكبرى .

*الذكاء الاصطناعي •• الثورة التي تعيد تشكيل العالم*

استحوذ ملف الذكاء الاصطناعي على مساحة واسعة من جلسات المؤتمر باعتباره القضية الأكثر تأثيراً في مستقبل الإنسانية خلال العقود المقبلة .

وأكد المشاركون أن العالم يشهد اليوم تحولاً تاريخياً يشبه إلى حد كبير الثورة الصناعية الكبرى لكن بوتيرة أسرع وتأثير أعمق حيث أصبحت الأنظمة الذكية تتدخل في ( التعليم والطب والإعلام والأمن والاقتصاد وشتى مناحى الحياه وصناعة القرار السياسي ) .

وقد طرحت جلسات المؤتمر رؤية متوازنة تجاه هذه التقنية فبينما شدد البعض على الفرص الهائلة التي يوفرها الذكاء الاصطناعي في تطوير التعليم وتحسين الخدمات وتعزيز الإنتاجية حذر آخرون من مخاطره إذا تُرك دون ضوابط أخلاقية وتشريعية واضحة وتوقفت المناقشات عند قضايا شديدة الحساسية من بينها الاتى :

١- تهديد بعض الوظائف التقليدية بالاختفاء .
٢- تنامي الاعتماد البشري على الآلات .
٣- احتمالات التلاعب بالمعلومات والرأي العام .
٤- اختراق الخصوصية والمسؤولية القانونية والأخلاقية للأنظمة الذكية .

كما تناولت الجلسات التأثيرات النفسية والاجتماعية المتوقعة وخاصة على الأجيال الجديدة التي أصبحت تعيش في بيئة رقمية متغيرة بصورة متسارعة .

*سؤال •• هل تمتلك الأمة أدواتها المعرفية؟*

من بين أكثر الأسئلة حضوراً داخل المؤتمر هل يمكن للعالم العربي أن يكون منتجاً للذكاء الاصطناعي أم سيظل مجرد مستهلك له؟

هذا السؤال لم يكن فنياً فقط بل حمل أبعاداً حضارية وثقافية واستراتيجية عميقة فقد أشار عدد من الباحثين إلى أن السيطرة على التكنولوجيا الحديثة تعني في جوهرها السيطرة على ( تدفق المعلومات وصناعة الوعي وتوجيه الاقتصاد والتحكم في مسارات التنمية المستقبلية ) .

ولذلك دعا المشاركون إلى ضرورة تأسيس مشروع عربي جاد في مجالات ( البرمجيات وتحليل البيانات وتطبيقات اللغة العربية الذكية والأمن السيبراني والحوسبة المتقدمة ) .

*كما شددوا على أهمية الانتقال من مرحلة استهلاك التقنية إلى مرحلة توطين المعرفة وبناء بيئة عربية قادرة على الابتكار والإنتاج .*

*تعريب العلوم •• معركة اللغة والمعرفة*

ومن أبرز الملفات التي أثارت نقاشاً فكرياً واسعاً قضية تعريب تدريس العلوم خاصة في كليات الطب والهندسة والعلوم التطبيقية .

وقد بدا واضحاً أن القضية تتجاوز مجرد اختيار لغة التدريس لتلامس سؤالاً أكبر يتعلق بعلاقة الأمة بلغتها وهويتها العلمية .

*المؤيدون للتعريب •• اللغة بوابة النهضة*

أكد أنصار التعريب أن اللغة العربية ليست عاجزة عن استيعاب العلوم الحديثه مستشهدين بالتاريخ الحضاري للأمة حين كانت العربية لغة الطب والفلك والهندسة والفلسفة لقرون طويلة وأشاروا إلى أن التعليم باللغة الأم ( يعزز الفهم العميق ويرفع كفاءة التحصيل العلمي ويُنتج عقلاً أكثر قدرة على الإبداع كما يربط الطالب بهويته الثقافية والحضارية ) .

وأكدوا أن كثيراً من الدول الكبرى لم تحقق نهضتها العلمية إلا بعد أن جعلت لغاتها الوطنية اساساً للتعليم والبحث العلمى .

*المتحفظون •• بين الواقعية ومتطلبات العصر*

في المقابل طرح اتجاه آخر رؤية أكثر حذراً معتبراً أن التحدي الحقيقي لا يكمن في اللغة وحدها بل في البيئة العلمية الكاملة .

وأشار هذا الاتجاه إلى عدة عقبات أبرزها :

١- سيطرة اللغة الإنجليزية على المراجع والدوريات العالمية .
٢- الحاجة إلى التواصل مع المؤسسات الدولية .
٣- ضعف حركة الترجمة العلمية العربية .
٤- النقص في المصطلحات الموحدة ببعض التخصصات الدقيقة .

لكن رغم تباين الرؤى اتفق الجميع على أن القضية لا ينبغي أن تتحول إلى صراع بين العربية واللغات الأجنبية بل إلى مشروع تكامل معرفي يوازن بين الانفتاح على العالم والحفاظ على الهوية .

*البحث العلمي العربي ••أزمة تمويل أم أزمة رؤية؟*

لم تغب أزمة البحث العلمي عن جلسات المؤتمر حيث أشار عدد من المشاركين إلى أن الجامعات العربية تمتلك كفاءات بشرية متميزة ولكنها ما تزال تواجه تحديات كبيرة من بينها :

١- ضعف التمويل البحثي .
٢- هجرة العقول .
٣- غياب التكامل بين الجامعات ومؤسسات الصناعة .
٤- ضعف الاستثمار في التكنولوجيا المتقدمة .

كما أثير فى احاديث جانبيه قضية النشر العلمي ومعايير التصنيف الأكاديمي حيث شدد المتحدثون على ضرورة بناء قواعد تقييم عربية أكثر عدالة وارتباطاً باحتياجات المجتمعات العربية بدل الاعتماد الكامل على مؤشرات دولية قد لا تعكس الواقع العلمي العربي بدقة .

*حضور عربي •• ورسالة تتجاوز الحدود*

ما منح المؤتمر قيمة إضافية هو ذلك التنوع العربي في الحضور والمشارك حيث بدا واضحاً أن التحديات التي تواجه الجامعات العربية أصبحت مشتركة إلى حد كبير سواء تعلق الأمر بالتحول الرقمي أو بتطوير المناهج أو بربط التعليم بسوق العمل أو بحماية الهوية الثقافية .

وقد عكست المناقشات رغبة جادة في الانتقال من مرحلة التعاون البروتوكولي بين الجامعات العربية إلى مرحلة الشراكة المعرفية الحقيقية القائمة على تبادل الخبرات والمشروعات البحثية المشتركة .

*توصيات استراتيجية •• خارطة طريق للمستقبل*

منتظر من القائمين على المؤتمر بالخروج بعدد من التوصيات المهمة التي يمكن أن تشكل نواة لمشروع عربي معرفي جديد ومن الممكن أن نضع بعض هذه التوصيات أمامهم قد تكون مفيده لهم أبرزها التالى :

*أولاً : في مجال الذكاء الاصطناعي*

١- إنشاء مراكز عربية متخصصة لأخلاقيات الذكاء الاصطناعي .
٢- دعم تطوير تطبيقات ذكاء اصطناعي باللغة العربية .
٣- تعزيز الأمن السيبراني العربي وحماية البيانات .
٤- دمج الذكاء الاصطناعي في المناهج الجامعية بصورة مدروسة .
٥- إعداد تشريعات عربية تنظم استخدامات الذكاء الاصطناعي .

*ثانياً : في مجال تعريب العلوم*

١- إطلاق مشروع عربي شامل للترجمة العلمية الحديثة .
٢- توحيد المصطلحات العلمية العربية بين الجامعات والمؤسسات الأكاديمية .
٣- تبني نظام التعليم الثنائي اللغة في التخصصات العلمية .
٤- دعم المحتوى الرقمي العربي في مجالات الطب والهندسة والتكنولوجيا .

*ثالثاً : في مجال البحث العلمي*

١- زيادة مخصصات البحث العلمي داخل الجامعات العربية .
٢- ربط الأبحاث العلمية باحتياجات التنمية الوطنية .
٣- تأسيس منصات بحثية عربية مشتركة .
٤- دعم الباحثين الشباب واحتضان الابتكارات العلمية .

*ما بعد المؤتمر •• هل تبدأ لحظة عربية جديدة؟*

لقد أثبت المؤتمر الحادي عشر لمعامل التأثير العربى أن الأمة العربية لا تعاني فقراً في العقول بقدر ما تحتاج إلى مشروع حضاري متكامل يعيد ترتيب الأولويات ويمنح العلم مكانته الحقيقية .

فالمعركة المقبلة ليست فقط معركة اقتصاد أو سياسة بل معركة وعي ومعرفة وقدرة على امتلاك أدوات العصر وفي عالم تتغير فيه موازين القوة بسرعة هائلة لن يكون البقاء للأكثر عدداً بل للأكثر قدرة على إنتاج المعرفة وصناعة المستقبل .

ومن هنا فإن القيمة الحقيقية لهذا المؤتمر لا تكمن فقط في جلساته العلمية بل في الرسالة التي حملها أن جامعة الأزهر والجامعات العربية مطالبة اليوم بأن تكون عقل الأمة لا مجرد مؤسسات تمنح الشهادات وأن اللغة العربية قادرة على مواكبة العصر متى توفرت الإرادة وأن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يكون فرصة للنهوض لا تهديداً للهوية إذا أحسنّا توظيفه ضمن مشروع وطنى واعى وطموح .

 

لواء د . احمد زغلول مهران*
*المشرف العام علي مركز رع للدراسات الاستراتيجية*

 

زر الذهاب إلى الأعلى